الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٢٠320
القواعد الفقهية عند الإباضية
والحاصل، أن العرف إنما يعمل في حدود الحرية التي تركها للمكلفين في ميادين الأعمال والالتزامات، دون الحالات التي تولى الشرع فيها بنفسه تحديد الأحكام عن سبيل الإلزام، وإلا لأمكن أن تقلب الأعراف على مرّ الزمن أسس التشريع كلها رأساً على عقب، فتنقرض الشريعة بتاتاً وتصبح أثراً بعد عين، فالنص الخاص الأمر هو المعتبر المحترم ولو صادمه عرف عام، فلا يعتبر أي عرف أو اتفاق على خلافه (1).
مثال تطبيق لعرف خاص خالف النص الشرعي: إقامة العزاء والمآتم من مال الورثة مع أمور أخرى محرمة، فإذا خالف العرف الخاص النص الشرعي وفيه ضرر بالغير فلا اعتداد به ولا اعتبار له ولو جرى العمل به عند الناس؛ لأنه بدعة في الدين كإقامة الولائم في العزاء من مال الورثة واختلاط الرجال بالنساء في المآتم.
وقد سئل السالمي عن ابن عم الميت أراد أن يقيم له عزاء برضى البالغين من ورثته، وقد خلف الميت أيتاماً وبالغين، هل يجوز لابن عم الميت ذلك أو لا؟ والميت لم يوص بذلك؟
فأجاب الله: «أما ابن عمه فلا يجوز له أن يأخذ من مال الأيتام شيئاً لذلك، وإذا أخذ ضمن، وإن جرت العادة في أهل داره بذلك فهي ظلم، وأما الحاضر للعزاء فله أن يأكل مما قدم إليه، إذا قدمه البالغ العاقل ما لم يعلم أن ذلك الشيء بعينه من تركة الهالك، وعلى من قدمه الضمان إن أخذه من غير حلّه، فإذا علم أنه من تركة الهالك امتنع على كل من علم، أقول: إن ما يصنعه الناس من العزاء في هذا الزمان بدعة، وكانت السُّنَّة
على غير ذلك … » (2).
(1) الزرقا: المرجع نفسه، 908/ 2.
(2) السالمي: العقد الثمين، 410/ 3 - 411.