الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٢٥الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
325
أن الأموال التي تعتبر شرعاً من الأنواع الربوية يمتنع فيها بيع مقدار منها بأكثر أو أقل منه إذا كان من جنس واحد؛ لأن الفضل عندئذ يكون رباً محرماً، فلا تجوز مبادلة القمح بالقمح مثلاً، ولا الذهب بالذهب إلا إذا تساوى البدلان، بمعنى أنه لا يجوز بيع الوزني بالوزني بجنسه إلا وزناً ولا بيع الكيلي بالكيلي، بجنسه إلا كيلاً، لأن النص ورد فيها كذلك (1). فإذا اختلف الجنسان كبيع الذهب بالفضة أو القمح بالشعير، جاز التفاضل ولكن تمنع النسيئة، أي تأجيل أحد البدلين فيجب التقابض في مجلس العقد، وهذا من قبيل سد الذرائع كيلا يتخذ جواز التفاضل عند اختلاف الجنسين ذريعة ووسيلة إلى ربا النسيئة، فيستقرض الشخص ذهباً مثلاً إلى أجل ثم يوفّي فضة أكثر منه بقدر الربا المراد.
فهذا الحكم كما هو ظاهر يقوم على أساس وجوب تساوي الكميات المتبادلة في الجنس الواحد، فما هو مقياس هذا التساوي فقد يتساوى المقداران وزناً ويتفاوتان كيلاً وبالعكس؟
ومن المتفق عليه أن التساوي يعتبر شرعاً بالمقياس العرفي في كل صنف، فما كان وزناً عرفاً كالزيت والسمن، يجب تساوي الكميتين فيه بالوزن، وما كان كيلياً عرفاً يجب التساوي فيه بالكيل كاللبن والعسل مثلاً، وإذا تبدل العرف في مقياس شيء فأصبح كَيْلياً مثلاً بعد أن كان وزنياً أو أصبح وزنياً بعد أن كان كَيْليا، تبدل القياس الربوي فيه تبعا للعرف. غير أنه قد ورد النص عن النبي صلى الله عليه وسلم في ستة أصناف من الأموال الربوية (ومنها القمح) أنه يجب التساوي في بعضها بالوزن وفي بعضها بالكيل (2)، فذهب
(1) البورنو الوجيز، ص 214. الزرقا المدخل، 2/ 908 - 909. (2) الأصناف الربوية الستة هي: الذهب والفضة والحنطة القمح والبر والشعير والملح والتمر، وفي مبادلة الذهب بالذهب والفضة بالفضة بيعاً أو قرضاً، أوجب النبي صلى الله عليه وسلم تساوي البدلين وزناً وفي الأصناف الربوية الأخرى أوجب التساوي كيلاً، المرغيناني: الهداية وشروحها، 157/ 6.