القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٢٧

الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة

327

ولا شك أن رأي أبي يوسف الحنفي وابن تيمية الحنبلي وجيه كما يبدو لي وهو أقوى حجة وأقوم محجة رغم انفرادهما به، ويعد هذا في الحقيقة تسهيل ورفع حرج عظيم عن الناس فيما اعتادوه من استعمال ما نص عليه الشارع أنه مكيل موزوناً، وبالعكس دون مراعاة عرف الناس وتبدله عبر الأزمان.

ومن النصوص التشريعية الخاصة المبنية على العرف والعادة، ويتبدل حكمها تبعًا لتبدلهما، ما رواه ابن ماجه بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الثيب تعرب عن نفسها والبكر رضاها صمتها» (1)؛ فقد اعتبر سكوتها عند استئذان وليها في تزويجها من رجل معين وبمهر معين إذناً منها وتوكيلا، واتفق الفقهاء على أن هذا الحكم في الفتاة البكر مبني على ما هو معروف فيها من الخجل عن إظهار رغبتها في الزواج عند استئمار وليها لها، فعادتها أن تعبّر بالسكوت عن رغبتها وإذنها دون التصريح بالقبول خشية اتهامها بالميل إلى الرجال، وهذا أمر يجافي محاسن العادات في ذلك العرف، وهذا الاستحياء لا يزال إلى اليوم غالباً عليهن في معظم الأوساط الإسلامية بحسب التربية

والتقاليد الاجتماعية.

فلو حدث أن تغيرت هذه التربية وهذه العادة وأصبحت الفتيات الأبكار لا يتحرجن من إعلان هذه الرغبة أو عدمها على السواء (كعادة الثيبات)، فليس ثمة ما يدعو إلى اعتباره قبولاً في عُرف هذا العصر الذي خرجت فيه المرأة من خدرها وكثر اختلاطها بالرجال - إلا من رحم الله ـ في بعض المجتمعات الإسلامية، ولذا غلبت جرأتها على التصريح بقبول من ترغب فيه ورفض من ترغب عنه، ولذلك فإن الإذن عندئذ بالتزويج لا يكفي فيه

(1) رواه ابن ماجه السنن، کتاب النکاح باب استثمار البكر والثيب رقم 1868. 340/ 1، عن أبي زرارة عدي بن عميرة الكندي وصححه الألباني والبخاري ومسلم بلفظ: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت».