القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٢٩

الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة

329

بل لقد ذكر ابن الهمام في شرح الهداية أن العرف بمنزلة الإجماع شرعاً عند عدم النص). ومن المعلوم أن ترجيح العرف على القياس يعتبر عند جمهور الفقهاء من قبيل الاستحسان الذي تترك فيه الدلائل القياسية لأدلة أخرى منها العرف. ويوضح أبو العباس الشماخي مفهوم الاستحسان عند الإباضية بأنه: «العدول عن قياس إلى قياس أقوى، وقيل تخصيص قياس بأقوى منه، وقيل العدول إلى خلاف النظير لدليل أقوى، وقيل العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس». وقد شرح هذه التعاريف نفسها ونقلها السيابي بإيجاز").

وإذا كان العرف يترجح على القياس الذي يستند إلى نص تشريعي غير مباشر، فهذا يدل على أنه يترجح أيضاً على الاستصلاح الذي لا يستند إلى نص بل إلى مجرد المصلحة الزمنية التي هي عرضة للتبدل بحسب اختلاف الأزمنة، وما يجد فيها من أوضاع ومقتضيات (4).

ويوضح ابن عابدين موقف الفقهاء المجتهدين من اعتبار العرف الحادث إذا تغيرت الأحوال، ويجب على المجتهد أن يعيد النظر في اجتهاده إذا تغير عرف البلد لرفع الحرج عن الناس فيقول: «كثير من المسائل الفقهية ما يبنيه المجتهد على ما كان في عُرف زمانه، بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أولاً، ولهذا قالوا (العلماء) في شروط المجتهد: إنه لا بد فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم

(1) ابن الهمام الكمال، فتح القدير، 157/ 6.

(2) الشماخي: شرح مختصر العدل والإنصاف الوارجلاني، تحقيق: مهني التيواجني، 589. (3) السيابي خلفان، فصول الأصول، ص 354. ـ السالمي، طلعة الشمس، / 185. وما بعدها، وحول مدلول الاستحسان ينظر أيضاً: الغزالي المستصفى، 1/ 274 - 283.

(4) الزرقا المدخل، 9312 - 932.