الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٣٠330
القواعد الفقهية عند الإباضية
على ما كان عليه أوّلاً للزم منه المشقة والضرر بالناس، لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن إحكام، ولهذا نرى مشايخ المذهب (أي الحنفي) خالفوا ما نص عليه المجتهدون في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذاً من قواعد مذهبه (1).
وما ذهب إليه ابن عابدين الحنفي هو ما عليه العمل عند فقهاء الإباضية،
حيث نجد اجتهاداتهم تتغير بتغير الأزمان والعادات، ومن أمثلة ذلك: 1 - أن مَن وَكَّل إنساناً أن يشتري له سلعة من مكان بعيد فاشتراها واستأجر لحملها إليه بكراء، فإن الكراء لا يلزم الموكل؛ لأنه أمره بالشراء دون الحمل، وأما من طريق الاستحسان والعادة بين الناس فالكراء يلزمه؛ لأن
تسليم المبيع غير مقدور إلا بكراء، فصار كالمنطوق به في الوكالة). 2 ـ حكم الفقهاء على المفقود والغائب بالوفاة بعد مضي مدة كافية لغلبة موتهما، استحساناً وحملاً على أغلب الأحوال، وكان القياس يقضي بعدم الحكم بموتهما حتى يصح ذلك يقيناً.
3 ـ إفتاؤهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه لانقطاع عطاء المعلمين، إذ لو اشتغل المعلمون بالتعليم بلا أجرة يلزم ضياعهم وضياع عيالهم، ولو اشتغلوا بالاكتساب من حرفة أو صناعة يلزم ضياع القرآن والدين، فأفتوا بأخذ الأجرة على التعليم، وكذلك على الإمامة والأذان، أن ذلك مخالف لما اتفق عليه كثير من أئمة المذاهب من عدم جواز الاستئجار وأخذ الأجرة عليها كبقية الطاعات من الصوم والصلاة والحج وقراءة القرآن ونحو ذلك).
(1) ابن عابدين: رسائل، 125/ 2. (2) ابن بركة: الجامع، 293/ 2 - 294.
(3) السالمي: طلعة الشمس، 179/ 2.
مع
(4) ذكر السالمي هذه المسألة في جواباته، وفيه كلام مفصل وهام عن حكم أخذ الأجرة عن الطاعات، كالأذان وتعليم القرآن ينظر جوابات الإمام السالمي ط 1، 1417 هـ / 1996 م،
404/ 4 - 405. ينظر: البورنو، الوجيز، ص 285.