الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٤٣الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
343
تعالى بإطعام المساكين من أوسط ما يطعم الناس أهليهم، وقد تنازع العلماء في ذلك هل ذلك مقدر بالشرع، أو يرجع فيه إلى العرف؟ وكذلك تنازعوا في النفقة نفقة الزوجة، والراجح في هذا كله أن يرجع فيه إلى العرف، فيطعم كل قوم مما يطعمون أهليهم قدراً ونوعاً، ولما كان كعب بن عجرة ونحوه يقتاتون التمر، أمره النبي الله أن يطعم فَرْقاً من التمر بين ستة مساكين … »). ويؤكد ابن تيمية هذا المعنى في موضع آخر فيقول: «المنقول عن الصحابة والتابعين هذا القول، ولهذا كانوا يقولون الأوسط خبز ولبن، خبز وسمن، خبز وتمر، والأعلى خبز ولحم، وهذا القول هو الصواب الذي يدل عليه الكتاب والسُّنَّة والاعتبار، وهو قياس مذهب أحمد وأصوله، وهذا لم يقدره الشارع فيرجع فيه إلى العرف، لا سيما مع قوله تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ، وأن العبرة بالعرف في كل حال من أحوال الرَّخص والغلاء، والإعسار واليسار، والصيف والشتاء وغير ذلك … » (2). وفي هذه النصوص التي ذكرها الفقهاء دلالة على أن الحكم المطلق الذي أوجبه القرآن في النفقة والكفارة وغيرهما، يرجع في تفصيله إلى العرف، فدل على اعتبار العرف في التشريع، ومن ثم وجدنا العلماء يؤصلون هذه القاعدة في ضوء الكتاب والسُّنَّة ويذكرون لها شواهد (3).
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، 113/ 26، 114 و 19/ 252 و 349/ 35، 350. ونص الحديث: «عن كعب بن عجرة، أن رسول الله، آه وقمله يسقط على وجهه، فقال: «أيؤذيك هوامك قال نعم فأمره أن يحلق وهو بالحديبية لم يبين لهم أن يحلوا بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنزل الله وعمل الفدية فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطعم فرقاً بين ستة أو الهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام». أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، كتاب المناسك، جماع أبواب ذكر أفعال اختلف الناس في إباحته للمحرم، باب ذكر الدليل على أن في قوله تعالى: وَلَا تَحْلِفُوا، حديث: 2499.
(2) ابن تيمية: المرجع السابق، 349/ 35 - 352. الجصاص: أحكام القرآن، 487/ 1. (3) السدلان صالح القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، ص 341.