الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٤٧الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
347
وجه الاستدلال بالآية
فالآية واضحة الدلالة في اعتبار العرف في التشريع؛ لأن المُراعى في أجرة الرضاع للأم إذا طلبتها حال الزوج يساراً وإعساراً وتوسّطاً، لا حال الزوجة ولا حالهما، لقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلِّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 233)، ومراعاة حال الزوج تقتضي تحكيم العرف والعادة في ذلك (1). وقد فسر ابن بركة البهلوي المعروف في النفقة» الوارد في الآية الكريمة بقوله: «أن المعروف إنما يرجعون فيه إلى عادتهم في غالب ظنونهم من بعد اجتهادهم، والذي عندي - والله أعلم - أن المعروف في النفقة هو دون السرف وفوق التقتير، فالله تعالى قال: مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} (المائدة: (89)، ولذلك أقول: إن الإطعام الذي ذكر في القرآن ولم يبيّن وصفه، هو دون اللين وفوق الخشن، ودون الجيد، وفوق الرديء» (2). ويؤكد ابن كثير هذا المعنى في عبارة موجزة موضحاً مدلول الآية فيقول: أي وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي بما جرت عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره، وتوسطه وإقتاره كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ (الطلاق: 7) … » (3). ومن هنا يتضح أن مفهوم الآية يدل على أن على والد الطفل المرتضع أجرة الرضاع للأم، وهي نفتقها وكسوتها بالمعروف، سواء كانت زوجة أو مطلقة. ز ـ وقال لا في السياق نفسه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَتَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (الطلاق: 6). فالآية الكريمة تدل على أن هذا الأجر هو رزقهن وكسوتهن بالمعروف إذا
لم يكن بينهما مسمّى يرجعان إليه (4).
(1) السيوطي: الإكليل في استنباط التنزيل، ص
110
(2) ابن بركة البهلوي: كتاب التعارف، ص 13 بتصرف.
(3) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ط 2، دار الفكر، بيروت، لبنان، 503/ 1. (4) ابن تيمية مجموع الفتاوى، 324/ 31.