الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٥٣الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
353
موقفنا من هذا الحديث:
6
والذي يظهر للباحث بعد التأمل في أقوال العلماء المتقدمين والمتأخرين في الحديث المتقدم، أن الذين اعتبروه موقوفاً عند ابن مسعود دون أن يرفعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقولهم يحتاج إلى إعادة نظر لضعف حجتهم؛ لأنهم اعتمدوا على قول الإمام العلائي، الذي زعم أنه لم يجده مرفوعاً ولا بسند ضعيف، ويفهم من عبارته أنه لم يصرّح بضعف الحديث، بل توقف في الحكم عليه، ولذلك لا ينبغي أن نضعف الحديث لأجل تعذر الحصول عليه في كتب الصحاح، ولعله لم يطلع على كل كتب السُّنَّة وأحوال الرجال في عصره؛ لأنه يعسر على الفقيه أو المحدث أن يعثر على تلك الكتب بسهولة لاعتمادهم على النسخ اليدوي، أما في عصرنا فيختلف الوضع؛ لأن معظم كتب السنة والجرح والتعديل قد طبعت فيسهل الحصول على الحديث ودرجته؛ ولذلك فاحتمال العثور عليه وارد.
ومما يؤيد صحة هذا الحديث ما صرح به الحاكم في «المستدرك» وعلي الهيثمي في مجمع الزوائد»، ووافقهما الإمام الذهبي فقال الأول: «هذا حديث الإسناد ولم يخرجاه البخاري ومسلم في صحيحيهما، ووافقه الذهبي
صحيح
اعتبار
فيما ذهب إليه، ويؤكد الهيثمي هذه الحقيقة فيقول: «ورجاله موثوقون». وبعد أن ظهرت الحقيقة وثبتت، لم يبق إلا أن يسلّم بصحة هذا الحديث، ويرجح العمل به، فلا يعقل أن يتخذ الفقهاء هذا الحديث أصلاً في العادة والعرف وتحكيمهما في المسائل الفقهية مع علمهم بضعفه، فلا ريب أنهم قد اطلعوا على درجته من جهة الصحة والضعف بالنظر في أحوال رجاله، فجعلوه دليلاً لهذه القاعدة، ولا يمكن أن يجتمعوا على الخطأ. ومن جهة أخرى فإن هذا الحديث لا يتصادم مع النصوص الشرعية، مقاصد الشريعة العامة، ولو سلمنا فرضاً أنه ضعيف فهناك
ولا يتعارض مع
نصوص صحيحة ثابتة تتفق مع
معناه تعضده وتقويه.