الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٥٥الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
355
شاء الله، وما رأوه سيئاً فهو سيّئ، فأحضرتم تفريقه، حكم أولئك الرهط أمرهم، ولا يحضر عند تفريقه جماعة من يأخذ ولا من يُعطى، فيفرق عشور كل قرية في فقرائهم … » (1). ولا شك أن أبا عبيدة مسلم قد اعتمد طريقة جمع الزكاة وتوزيعها على مستحقيها على عرف بلده، السائد في البصرة وبلاد المشرق، وأراد أن ينقله إلى أهل المغرب بلد الإمام المعافري، ولم يعتمد في منهجه على نصوص من القرآن أو السُّنَّة، بل على العرف الجاري به العمل في تلك البلاد. ونجد ابن بركة أيضاً يأخذ بمقتضى العرف والعادة في مسألة تحريم شرب النبيذ وبيعه - رغم جواز ذلك عند بعض الفقهاء - استناداً إلى هذا الحديث فيقول: «وكذلك قولنا في النهي عن شرب النبيذ، فإن كان حلالاً فإنا ننهى عنه؛ لأن شربه ينقص من شاربه، ويقل من هيبته ولما يحدث مع شربه من السكر الذي يلزم فيه الحد، وإن كان الله تعالى هو المحدث للسكر … فإن قال: أفَتُجيزون بيعه كما تجيزون شربه؟ قيل له: لا يجوز بيع النبيذ، فإن قال: فلم حرمتم بيع ما أحللتم شربه؟ قيل له: لما وجدنا المسلمين جميعاً يستعظمون فعل الخمارين والنباذين ويضربون بهم الأمثال في الخسة وقبح الفعل، ولم نجد أحداً من المسلمين أباح ذلك؛ علمنا أن ما كان عند المسلمين قبيح فهو عند الله قبيح، كما أن ما كان عند المسلمين حسن فهو عند الله حسن … والذي يدل على سقوط هذه المعارضة، أن جميع من جوز شرب النبيذ على اختلافهم واختلاف مذاهبهم لم يجوّزوا الاجتماع عليه، ولو كانت هذه المعارضة صحيحة لكان لقائل أن يقول: فَلِم لا يجوز الاجتماع على شُرب الحلال الذي يجوز أن يفترق عليه؟ وقد أغنانا الإجماع عن الاحتجاج فيه … » (2).
(1) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي: رسالة أبي كريمة في الزكاة للإمام أبي الخطاب المعافري نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان، أغسطس 1982، ص 4. (2) ابن بركة: الجامع، 536/ 2.