الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٥٩الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
359
فاعتبرت عادتهم في الوزن، والمراد بذلك فيما يتقدر شرعاً: كنصب الزكاة،
ومقدار الديات وزكاة الفطر والكفارات، ونحو ذلك (1).
6
وقال الخطابي: «فهذا مبدأ عام قرره النبي صلى الله عليه وسلم في الاعتداد بالعرف الجاري بين الناس، وليس المراد من الحديث تعديل الموازين والأرطال والمكاييل وجعل عيارها أوزان أهل مكة، ومكاييل أهل المدينة لتكون عند التنازع حكماً بين الناس يحملون عليها إذا تداعوا … فإن أقرّ الرجل بمكيله براً أو بعشرة أرطال من تمر أو غيره، واختلفا في قدر المكيلة، والرطل، فإنهما يحملان على عرف البلد وعادة الناس في المكان الذي هو به، ولا يكلف أن يعطي برطل مكة ولا بكيال المدينة» (2).
ما
كما نبه الإمام العيني إلى هذا المعنى في شرح البخاري فقال: «كل شيء لم ينص عليه الشارع أنه كيلي أو وزني، فيعتبر في عادة أهل كل بلدة على بينهم من العرف فيه؛ لأن الرجوع إلى العرف جملة من القواعد الفقهية» (3). هذا ونقل ابن بركة في جامعه اختلاف الفقهاء في تجديد مقادير بعض المكاييل والموازين، وألمح أن ضبط مقاديرها يرجع إلى ما جرى به العمل وتعارف عليه الناس في كل بلد وهذا نصه: «اختلف الناس في مقدار الصاع والمد، فقال أهل العراق: الصاع ثمانية أرطال والمد رطلان، وذهبوا إلى خبر النبي الله و كان يغسل بالصاع وزعموا أنه كان يغتسل بثمانية أرطال)، وأما أهل الحجاز فلا يختلف معهم أن الصاع خمسة أرطال وثلث، والمد رطل وثلث
(1) العلائي: المجموع المذهب في قواعد المذهب، «مخطوط»، و 42، الوجه الثاني نقلاً عن الندوي، القواعد الفقهية، ص 297، والمطبوع: 404/ 2.
(2) الخطابي: معالم السنن، مطبوع مع مختصر أبي داود للمنذري، 12/ 5 وما بعدها. (3) العيني: عمدة القارئ شرح صحيح البخاري، دار الفكر، بيروت، 102/ 16. (4) رواه البخاري: الجامع الصحيح، كتاب الوضوء، باب الوضوء بالمد، رقم: 197. عن أنس بن مالك. ونص الحديث عن ابن جبر، قال: سمعت أنساً، يقول: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل، أو كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد».