الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٧٩الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
379
عن الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته في مثل هذه الأحوال دون إلزام بها، وفي ذلك
تيسير وتخفيف للناس ورفع الحرج والعسر عنهم. يقول ابن بركة في هذا الشأن: «وما أجاز الفقهاء من الاستطابة بالماء في الاستنجاء من الغائط بسكون القلب، وطيب النفس دون البيئة والشهادة لموضع النجاسة، وهذا أيضاً يدل على جواز التعبد بسكون القلب، ويؤيد هذا خبر النبي الله أنه قال: «يا وابصة استفت نفسك … » (2). ويدل على ذلك أيضاً ما عليه عمل الناس من تطهير أوانيهم بأيدي صبيانهم؛ لأن النفس تسكن إلى صدقهم في ذلك، ويصدقونهم فيما يخبرون به عن أنفسهم، وكذلك غيرهم من الأحرار ممن هو غير ثقة، ولا تقبل شهادته في الحكم على نواة، ويقبل قوله في تطهير الثياب وأجازوا الصلاة فيها؛ لأنهم يرون الثياب عليها أثر الغسالة، فيقبلون منهم مع الدليل، ولو أخبروهم ولم يروا عليها أثر الغسالة لم
يقبلوا منهم، وهذا يدل على أن هذه الأشياء تعرف بسكون القلب … » (3). ولعل سبب تحرّج البعض من طهارة الصبي أنه لا يدرك أهمية الطهارة في العبادات، فلذلك لا يتحراها كالبالغ المكلف، وأما تحرجهم من البالغ غير الثقة؛ لأنه ما دام لا يصدق في أقواله وأفعاله مع الناس، ولا يخشى الله في
(1) الإشارة إلى حديث الرسول ومدحه لأهل قباء في طهارتهم نص الحديث: عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنْطَهَرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ، قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت هذه الآية فيهم». رواه أبو داود، كتاب الطهارة وسننها، باب الاستنجاء بالماء، رقم 44، عن أبي هريرة، ورواه الحاكم، كتاب الطهارة،
رقم 554، عن أبي أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك. وقال: صحيح. ووافقه الذهبي. (2) رواه الدارمي في السنن، ومن كتاب البيوع، باب: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، رقم 2533، وأحمد، مسند الشاميين حديث وابصة بن معبد، رقم 18030، قال المناوي: «رمز المصنف لحسنه ورواه الإمام أحمد والدارمي في مسنديهما قال النووي في رياضه إسناده حسن وتبعه المؤلف فكان ينبغي له الابتداء بعزوه كعادته ورواه أيضاً الطبراني قال الحافظ العراقي وفيه عنده العلاء بن ثعلبة مجهول». فيض القدير، 495/ 1.
(3) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 27 - 28.