الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٠٥الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
405
ثابت من النص، وكأنه بذلك لا يرى تحكيم العرف في العبادات؛ لأنها أمور تعبدية وتوقيفية، فيقول: «ولا أعرف الوجه في التحديد عندنا ولا عند قومنا إلا ما ذكره الرملي بأن ذلك التقدير عندهم مأخوذ من العرف» (1).
وهكذا نجد السالمي يخالف الإباضية وغيرهم فيما ذهبوا إليه من اعتبار العرف والعادة في العبادات، وتحكمه في مسألة سترة الصلاة، وفضل الاحتكام إلى النصوص الشرعية الثابتة وجعلها سنداً في تحديد المسافة بين الإمام والمأموم فيقول: «ولعل أصحابنا - رحمهم الله - أخذوا ذلك التحديد من أحوال الصفوف خلف النبي صلى الله عليه وسلم أو فهموه من حديث سهل بن [أبي] حثمة مرفوعاً: «إذا صلّى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان صلاته» (2). واستدل أيضاً بأن الفرض من الجماعة الاجتماع، والتباعد مناف لذلك. وأيضاً فقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا﴾ (الأعراف: 204)، والتباعد لا يتأتى معه الاستماع فلا يتم الواجب إلا بالقرب من الإمام (3). الإمام» (3).
مجمل القول: إن الأصل في المسافة الفاصلة بين الإمام والمأموم لم ينص عليها الشارع ولم يحددها الرسول صلى الله عليه وسلم باب الأذرع ولا بالأشبار، وإنما دعا إلى الاقتراب من الإمام وعدم التباعد عنه، ولم يقيد ذلك بل تركه مطلقاً. فاجتهد الفقهاء في تحديد هذه المسافة حتى يتجنبوا نقض الصلاة بطول المسافة بين الإمام والمأموم، وحسب ما يظهر من كلام السالمي وغيره أن الفقهاء لاحظوا من خلال أحوال الصفوف التي كانت تقف خلف النبي صلى الله عليه وسلم حيث كانت المسافة بينه
(1) السالمي: المرجع نفسه، 194/ 9.
(2) رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدنو من السترة رقم 695، والنسائي في المجتبى، كتاب القبلة، باب الأمر بالدنو من السترة، رقم 748، عن سهل بن أبي حثمة. الزيلعي: «قال
النووي في «الخلاصة: إسناده صحيح. نصب الراية، 47/ 2.
(3) السالمي: المرجع السابق.