القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٦١

الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة

461

«وعاؤها ووكاؤها»). والأمارة هي العلامة، وقد جاز أن يدفع المال الكثير في العلامة، والصدق بذلك سكون القلب، كما يجوز تسليمها بالبيئة العادلة، وإن قال قائل: لم قلت إن تسليم اللقطة بسكون النفس دون أن يكون ذلك يقيناً بالسنة؟

قيل له: إنما أمرنا بذلك على وجه التعبد بسكون قلوبنا في تصديق المدعي لها بها عنده من السر الذي لا يجوز أن يتحرى غيره فيوافقه، إلا كان ذلك نادراً في الناس، والنادر لا يعتمد عليه ولا يحتج به؛ لأن اللقطة إذا جاء مزيد عليها من العلامات التي لو رام الإنسان أن يتحرى إصابتها بالتخريص والظن، لبعد ذلك عليه، ولم يتفق ذلك له فالقلب يسكن إلى صدقه بخروج هذا عن عادة الناس، ولذلك جاءت السُّنَّة به، وبالأمر بتسليمه فمن أتى بعلامة جاءت بها السُّنَّة، ومما كان في معنى السُّنَّة مما تدل على صدق مدعيها جاز الدفع بذلك، وصح بما جاء، وقلنا إنما تسكن إليه النفس ويطمئن إليه القلب، ويشهد تصديقه كالعلم به … » (2).

ويضيف ابن بركة بأن السُّنَّة شاهدة أيضاً بما قلنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل من أصحابه عند سؤاله إياه: «يا وابصة استفت نفسك» (3). فأمره النبي أن يستدل على صحة ما يحتاج إلى علمه بدليل قلبه وسكون نفسه (4).

ويستنتج من عبارة ابن بركة أن السُّنَّة النبوية جاءت لتؤكد ما جرى العمل به عند الناس في شأن اللقطة، وأنها لا تسلم إلا لمن جاء بأمارتها ولا تعطى

لغيره إذا أعوزه ذلك.

(1) تقدم تخريجه.

(2) ابن بركة كتاب التعارف، ص 14 - 15.

(3) تقدم تخريجه.

(4) ابن بركة كتاب التعارف، ص 15 - 16.