الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٨٥الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
485
وذهب بعض فقهاء الإباضية إلى منع الدخول إلى بيوت الناس مطلقاً إلا بإذن أهلها ولو أباح له صاحب الدار ذلك، فيدخل متى شاء عند حضورهم أو غيابهم، وعللوا ذلك أن المنع كان لأجل الخوف من الهجوم على الغير فيؤذيهم، فربما كان بعضهم منكشف الأعضاء، فهذا الحكم يدخل فيه الكل إلا الزوجات وملك اليمين، وإن كان لأجل أنه كان مشتغلاً بأمر يكره إطلاع الغير عليه وجب أن يعم الكل حتى لا يكون له أن يدخل على الزوجة والأمة إلا بإذن. يقول السالمي في هذا المعنى: وظاهر كلام أصحابنا أن النهي إنما ورد لأجل جميع ذلك، فإنهم صرحوا بأن الاستئذان لم يشرع لخوف الإطلاع على العورات، ولا لئلا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التي يخفيها الناس في العادة عن غيرهم، ويتحفظون من اطلاع أحد عليها؛ ولأنه تصرف في ملك الغير فلا بد من أن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب والقهر» (1).
واعترض السالمي على من يقول لصاحبه ادخل منزلي متى شئت فهو منزلك وفيها نساء حرمات، واشترط عليه الاستئذان مع الإباحة؛ لأن ذلك مخالف للشرع والعرف وبيَّن أن من قال لرجل: ادخل بيتي متى شئت على سبيل الإباحة وفي منزله حُرُم، فليس له أن يدخل بغير إذن حضر أو غاب، بل وليس لصاحب المنزل أن يبيح ذلك؛ لأن فيه تعطيل فرض الاستئذان وتحليل ما حرم الله تعالى من انتهاك حرمة البيوت، وتضييع ما أوجبه من ستر المسلمين، وإن لم يكن معه حُرم دخل بغير إذن إذا أباح له على قول بعض المسلمين. واستند السالمي في مذهبه إلى قول محمد بن الحسن السري (2): أن الإباحة
في دخول المنازل على أهلها لا يجوز إلا بإذن حين الدخول.
(1) السالمي: المعارج، 2/ 173 - 174.
(2) لم نقف على ترجمته.