الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٨٩الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
489
قلت: وكيف ينكر قلبي ذلك؟
قال: يكون بينه وبينك صبي أو رجل فترى أنه قد مدّ يده إليك لتسلمه إليه كالرسول أو المناول، وإذا لم يكن هذا ونحوه جاز لك أكله، وهذا يدل على أن للمسلم أن يعمل بما تسكن إليه نفسه).
وكذلك طلب الماء للشرب يحكمه العرف والعادة، وقد نقل ابن بركة حواراً بليغاً دار بينه وبين شيخه مالك الصلاني وأحد من أصحابه وهذا نصه: «وقد كنا صحبنا الشيخ أبا مالك إلى (سر عُوتَب)) فلما كان في رجوعنا استسقيت قوماً فسقوني، وكان بعض أصحابنا له حاجة إلى شرب الماء، فدفعت إليه ليشرب فامتنع وقال: إنما سألت لنفسك فقال الشيخ: هذا يُعرف جوازه بسكون القلب والنفس؛ لأن صاحب الماء حمله ليشرب لا ليختص به على بعض دون بعض قال الممتنع: فيه مخالفة لصاحب الماء؛ لأن صاحب الماء قال: اشرب فليس له أن يشرب ويسقي غيره قال الشيخ فيجب - على
6
هذا ـ أن يكون إذا طلب ماء للمسح (للوضوء) لا يستنجي منه للغائط. قال الممتنع إذا دفعه للمسح فهو للغائط [قال الشيخ: المسح غير الاستنجاء فإذا دفع للمسح] فيجب أن لا يستنجي) منه على قولك؛ لافتراق اسم المسح من اسم الاستنجاء، قال: وكذلك لو أدخلك صاحب المنزل إلى منزله، فقال لك: اجلس على هذا السرير، لم يجز لك أن تتكئ عليه ولا تنام، وكذلك لو دعاك إلى طعام، فقال لك كُل، لم يجز لك أن تأكل منه إلا أوّل ما يقع عليه اسم أكل، وذكر له أشياء كثيرة غير هذا ثم قال: هذا يرجع فيه إلى ما تسكن إليه النفس ويُعلم بالقلب، وإن النفس لا تخرج بمثل هذا ولا يطالبه الناس فيما بينهم، حتى لو أن رجلاً أبيح له من ماء ليشرب منه فقال لصاحب الماء، ائذن لي لأسقي صاحبي منه، لاشتد عليه قوله، وكره ذلك منه، ورأى
(1) ابن بركة كتاب التعارف النسخة المحققة، 38/ 1.
(2) قرية تقع في منطقة الباطنة قريبة من مدينة صحار بسلطنة عُمان.