القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٩٥

الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة

495

على قاعدتين منهم من اعتبر المعنى الشرعي، وهو: كف الأذى عن الجار فتحرى أقصى ما ينتهي إليه الأذى بين المساكن فجعلهم جيراناً، ومنهم من اعتبر الاسم اللغوي وهو لفظ الجوار فاعتبر القرب والبعد، فمن كان قريباً كان جاراً، ومن بعد خرج عن الجوار، ثم اختلفت أنظارهم في تحديد ذلك على حسب اختلاف أفهامهم في القرب والبعد .. ).

كما نبه السالمي إلى قاعدة أخرى قد يغفل عنها بعض الفقهاء يمكن اعتبارها أساساً في تحديد حد الجوار، وتعتمد على ما يجري به العرف والعادة في كل بلد وقوم للتوفيق بين الأقوال المتباينة إذا تعذر الترجيح بينها؛ لأن العرف والعادة حجة يجب العمل بها، و «العادة محكمة» إذا تعذرت النصوص. يقول في هذا الصدد: «وها هنا قاعدة ينبغي أن ينبه عليها، وهي اختلاف العرف بين أهل النواحي في صفة الجوار، فإن لكل أهل ناحية من الأرض عُرفاً في ذلك، ولكل منهم عادة يُعدّون التمسك بها صلة، وتركها قطيعة فحدوه في القرى بالبيوت، وفي الفلاة بقبس النار، وما ذاك إلا لاختلاف أحوالهم وتباين عاداتهم ومنافعهم، فإن أهل البادية يعدون جاراً كل من أمكن أخذ منافعهم الحاضرة منهم كاقتباس النار، وأخذ الملح للقدر التي على النار وأشباه ذلك، وأما أهل القرى فلا يعدون ذلك جواراً؛ لأن مساكنهم متقاربة متصلة فجاء عُرفهم بالجوار بأقرب البيوت إلى بعضهم بعض، ثم اختلف هذا العرف في تحديد هذا المقدار من عدد البيوت، فكُلُّ قال بما وقع له من العرف، وهذه القاعدة كما ترى أجمع من القاعدتين اللتين ذكرهما الشيخ عامر كم الله فينبغي أن يعوّل عليهما في الجمع بين الأقوال في هذا الباب إن ظهر صوابها» (2).

(1) السالمي: المرجع نفسه، 478/ 1. (2) السالمي: العقد الثمين، 478/ 1 - 479.