الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٩٨المطلب الخامس
تحكيم العرف والعادة في الجنايات والعقوبات
1 - تحكيم العرف والعادة في التأديب والتعزير
لم يحدد الشارع الحكيم وسائل معينة لتأديب العصاة وتعزيرهم، وإنما ترك الأمر دون تقييد يخضع لتقدير المجتهدين والحكام، ولذلك اختلفت أنظار الإباضية في تحديد وسائل التأديب، فاختار بعضهم أن يكون الضرب على الرجلين، بينما ذهب الجمهور إلى أن التأديب بالضرب يكون على المقعدين أو الكتفين، وقد يختار غيرهم الحبس أو النفي أو القيد، ولا شك أن العرف والعادة
هو الذي يحدد نوع التأديب، وموضع الضرب الذي ينفذ في حق العصاة. أشار المحقق الخليلي في قواعده إلى اختلاف فقهاء الإباضية في هذه المسألة، وبيّن أن سببه يعود إلى ما تعارفه الناس في كل بلد وما يجري به العمل عندهم، فقد ورد عليه سؤال يستفسر فيه صاحبه عن الضرب للتأديب، وذكر أن ما اتفق عليه بنو مصعب (1) من إيقاع الضرب للتأديب والتعزير على الرجلين (3) ومخالفتهم لآثار السلف الموجودة معكم من وجوب كونه على المقعدين أو الكتفين، وتداول هذا عملاً بين فقهائهم وأسلافهم من أهل مصعب وجربة مع مخالفته لآثار الأقدمين وطلب السائل من الخليلي أن يفيده بما يجري به العمل عند إباضية المشرق من أهل عُمان (3). فأجاب: «أما أصحابنا المشارقة فلم نجد في جواز هذا معهم يهتدى، ولا عملاً به يقتدى، وإنما قالوا في المقعد فخصوا به العبيد في قولهم السديد، تنزيهاً للأحرار عن الضرب على الأدبار، وإنما الظهر هو موضع
أثراً به
(1) بنو مصعب: هم أهل وادي ميزاب من الإباضية يسكنون جنوب الجزائر. (2) يطلق أهل ميزاب بالجزائر على مثل هذا النوع من التأديب بـ (فلق) وهي كلمة بربرية. (3) الخليلي المحقق كتاب التمهيد، 83/ 7 - 84.
أظهر