القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٥٠١

الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة

501

يقول ابن بركة البهلوي في سياق حديثه عن اعتماد العلماء على العرف والعادة وما تطمئن إليه نفوسهم، وهو من غلبة الظن لا يصل إلى درجة اليقين وكذلك قولي في قيم المتلفات فإنما الاعتبار فيه أن تجري القيمة على حسب ما تبايع الناس به، وتجري به البياعات بينهم، فيرجع في ذلك إلى أهل المعرفة دون من لا معرفة معه، وقد يقع البياعات بين التجار على الأثمان المتقاربة، والمغابنة اليسيرة، وقد تقع بينهم أيضاً المغابنة الفاحشة، وهذا نادر بينهم بأعلام كثيرة بينهم، فانظر في ذلك ما أبيح لأهل القيم إذا كانوا من أهل الخبرة والمعرفة

بالأثمان المتقاربة دون المتفاوتة الفاحشة، وفوق الناقصة الخسيسة … »). ولعل ما ذهب إليه ابن بركة هو ما ينبغي العمل به في تقدير الأشياء، فعندما يُفتقر إلى معايير ثابتة في الشرع يُحتكم إلى العرف والعادة الجارية في الناس ويستعان بأهل الخبرة والمعرفة في تحديد قيمة المتلفات في المبيعات والمزروعات والجروح دون تجاوز للحدود المعقولة بما يحقق العدل والرضى.

6

- تحكيم العرف والعادة في تحديد صغائر الذنوب

اختلف فقهاء الإباضية في التمييز بين كبائر الذنوب وصغائرها، ومتى يحكم على صاحبها بالبراءة؟ وهل تعتبر تلك المعاصي ظلماً في حق الله والعباد؟ وهل للعرف والعادة مدخل في اعتبارها؟

ذهب بعضهم إلى تحديد كبائر الذنوب وصغائرها وبيان الفرق بينهما، بينما يرى بعضهم خلاف ذلك، كل وقد أجاب الإباضية عن هذه الأسئلة

وغيرها حسب ما يظهر لهم استناداً للنصوص أو العقل أو العرف والعادة. يقول السالمي في هذا الصدد: «قال بشير: لو أن رجلاً ضرب رجلاً بخشبة أو ما فوق ذلك لألزمنا الضارب البراءة؛ لأنه قد قامت الحجة في العقل أن ذلك ظلم.

(1) ابن بركة كتاب التعارف، ص 13 - 14.