الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥١١الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
011
وهو
ويقول القرافي في «فروقه»: «الأصل اعتبار الغالب وتقديمه على النادر، شأن الشريعة كما يقدم الغالب في طهارة المياه وعقود المسلمين، ويقصر في السفر ويفطر بناء على غالب الحال، وهو المشقة، ويمنع شهادة الأعداء والخصوم؛ لأن الغالب منهم الحيف).
وقد عقد العز بن عبد السلام فصلاً في الحمل على الغالب والأغلب في العادات، وذكر أمثلة منها: أن من أتلف متقوّماً فإنه يلزمه ضمانه بقيمته من نقد البلد، أو غالبه إن كان فيه نقود بعضها أغلب من بعض، ومنها وجوب صدقة الفطر من غالب قوت البلد كالقمح والأرز» (2).
وصرح بها إسحاق الشيرازي في باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل» فقال: « … ولا يمكن قبول الشهادة مع الكثير من الصغائر؛ لأن من استجاز الإكثار من الصغائر استجاز أن يشهد بالزور، فعلقنا الحكم على الغالب من أفعاله؛ لأن الحكم للغالب والنادر لا حكم له، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَتِبِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَلِدُونَ﴾ (المؤمنون: 102 - 103)» (3).
وقال عبد الهادي الحنبلي: «العبرة بالغالب والنادر لا حكم له» (4). فهذه النصوص جميعاً تصرّح أن المذاهب الفقهية اتفقت كلمتها في اعتبار هاتين القاعدتين، والعمل بهما في الأحكام، بل جعلهما بعضهم أصلاً عاماً في الفقه الإسلامي يبنى عليها الأحكام. وحتى ندرك حقيقة هاتين القاعدتين، وأثرهما في الفروع الفقهية، يستحسن أن نعرف بهما، ونبين صلتهما بغيرهما
من القواعد، ثم نذكر بعض من فروعهما الفقهية كما يلي:
(1) القرافي: الفروق، 104/ 4.
(2) ابن عبد السلام قواعد الأحكام في مصالح الأنام، طبعة مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، 1411 هـ / 1991 م، راجعه وعلق عليه طه عبد الرؤوف سعد، 142/ 2.
(3) الشيرازي أبو إسحاق، المهذب، 2/ 324 - 325.
(4) ابن عبد الهادي، مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام، ص 175.