الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٢٢522
القواعد الفقهية عند الإباضية
هدية، أو ضيافة قدمت له من غيره، فتأكل منه وتنتفع به أم تشك في مصدره لعله مال مسروق، أو مغتصب فترده عليه؟ ومثل ذلك قد يحدث مع الخادم وسيده. اختلف فقهاء الإباضية في حكم هذه المسألة، فمنهم من أباح الانتفاع به دون البحث عن مصدره ما دام قد تعارف منه ذلك، ومن عادته لا يقترب من المال الحرام، عملاً بالقاعدة: «الحكم للأغلب من حاله»، وذهب بعضهم إلى منع ذلك حتى يتأكد حاله.
من
قال الكدمي في هذا المعنى: وأما العبد إذا وصل إليك بآنية فيها طعام يطمئن قلبك أن ذلك من عند من يجوز لك أخذ ذلك منه على وجه العطية، أو الهدية، أو الضيافة، أو الرسالة، واطمأن قلبك إلى ذلك على هذا السبيل أو إلى شيء منه، فلا بأس عندي بأخذك، لذلك كان العبد صغيراً أو كبيراً أقرّ بذلك العبد أو لم يقر، وسلمه على وجه التسليم إليك على ما يطمئن قلبك أنه لك من أحد هذه الوجوه أو غيرها مما يجوز، كل ذلك عندي سواء إن شاء الله، وأكثر أمور الناس تجري على الاطمئنانة، وتطبق عليهم الأحكام إن حملوا أنفسهم عليها، وسواء عندي سألته أم لم تسأله فلا أُحب لك أن تسأله تشغله بذلك عن حال من أحواله، إلا أن يكون ذلك يجوز لك في مال سيده إباحة بإدلال أو بإذن، أو بحال من الأحوال … ).
ويُفهم من عبارة الكدمي أنه يميل إلى جواز أخذ ما يأتي به الخادم ما دام يغلب عليه أنه لا يسرق، وإنما يأتي به ألا يكون إلا عطية، أو هدية، أو ضيافة، أو رسالة من غيره، فرجح فيه جانب الصلاح، ولا يريد أن يكلف نفسه عناء السؤال عن مصدر ذلك؛ لأنه ألف منه ذلك، وهو ما تعارف عليه أغلب الناس
في مجتمعهم.
(1) الكدمي: الجامع المفيد، 214/ 2.