الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٤٤544
القواعد الفقهية عند الإباضية
عملاً بالقاعدة: «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً»، وهذه المسألة لم تكن محل اتفاق بين الفقهاء. نقل ابن بركة الخلاف في المسألة فقال: «واختلف أصحابنا في الخروج بالمضاربة إلى بلدان يقع فيها البحر من مضرة، فأجاز ذلك بعضهم له ما لم يكن عليه شرط يمنعه، وقال آخر: ليس له الخروج إلى البحر إلا بأمر رب المال، والنظر يوجب عندي أن المضارب والمضاربة المقصودة بذلك المال يراعى الحال فيهما، فإن كان المضارب معروفاً بالمضاربات إلى أماكن معروفة، وجرت العادة منه في التجارة في بر وبحر، فهو على عادته، وكذلك إذا أراد بهذا المال تجارة لا تعرف بالمصدر الذي هو فيه، كان له الخروج إلى حيث تكون تلك التجارة وبذلك المال ما لم يمنعه شرط، وليس للمضارب أن يستعمل بالمال الزراعات، وغرس الأشجار والنخيل، وشراء العقارات؛ لأن ذلك لا يعرف كله في متاجر الناس، ولا يسمون به تجاراً، وقد أجاز بعض أصحابنا (الإباضية) ذلك ولم يروه متعدياً إذا رأى الصلاح في ذلك لنفسه ولرب المال (1).
مجمل القول:
ولعل ما ذهب إليه ابن بركة ومن معه من الفقهاء هو الرأي المناسب عندنا، إذا كانت المضاربة مطلقة غير مقيدة بشروط معينة، كعدم السفر بالمال عبر البحار، أو حصر التجارة في مجالات معينة، بشرط أن يتاجر فيما تعارف عليه الناس، ولا يخالف به الشرع، كبيع بعض المحرمات، أو استثمار المال في الزراعة أو الصناعة؛ لأن التجارة المعروفة عند الإباضية وغيرهم تقوم على أساس البيع والشراء، وهي مبادلة السلع والبضائع بالمثل أو بالقيمة، عملاً بالقاعدة المشهورة المعروف بين التجار كالمشروط بينهم».
(1) ابن بركة: الجامع، 369/ 2 - 370.