الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٤٨548
القواعد الفقهية عند الإباضية
بدليل من
أدلة
نعم قد تقوم الكتابة في مقام العبارة عند الحاجة، وتقوم الإشارة مقام العبارة عند العجز عنها، يقول ابن قيم الجوزية: «فمن عرف مراد المتكلم الأدلة وجب اتباع مراده، والألفاظ لم تقصد لذواتها وإنما هي يستدل بها على مراده، فإذا ظهر مراده ووضح أي طريق كان عمل بمقتضاه، سواء كان بإشارة أو كتابة أو إيماء أو دلالة عقلية أو قرينة حالية أو عادة له مطردة لا يخل بها» (1).
فلئن كان حقيقة الوضع اللغوي هي الأصل للدلالة على المعاني، ولكن إن تعذرت يصار إلى عادة الناس، وعرفهم، ولئن كان النطق باللسان هو الأصل في التعبير عن الإرادة والرضا، فقد يقوم مقامه ما يدل على الرضا ويعبر عنه تعبيراً كافياً.
وعلى هذا قرر الفقهاء أن يقوم مقام النطق باللسان: الرسالة والكتابة والإشارة، أو أي موقف يدل على الرضا، وصاغوا لذلك قواعد عدة منها: «الحقيقة تترك بدلالة العادة»، و «الكتاب كالخطاب» و «الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان»، وسوف نتحدث فيما يأتي عن هذه القواعد على حدة، مبيناً أحكامها ودورها في مجال التعبير عن الإرادة، ومدى تعويل الأنظار الفقهية وسيلة للتعبير.
الفرع الأول: قاعدة الحقيقة تترك بدلالة العادة»
هذه القاعدة تتعلق بالعرف القولي وتدخل تحت مسألة تعارض اللغة مع العرف، حيث إن كل متكلم إنما يحمل لفظه على عرفه، وإن كان مخالفاً للمعنى اللغوي.
(1) ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين عن رب العالمين، 218/ 1.