الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٦١الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
و ـ في الوصية:
ذكرنا فيما سبق أن الألفاظ التي تعذر إعمالها فيما وضعت له أو كانت معانيها مهجورة فإننا نلجأ إلى استعمالها في العرف ونحتكم إليه، ومن ذلك: ألفاظ الوصايا إذا كانت عامة أو مطلقة، فينظر ما تعارف عليه الناس في ذلك الموضوع ويُعمل به، مثل: إطلاق لفظ المال في الوصية، هل يراد به المعنى الحقيقي العام أم له مدلول خاص؟
جاء
في «العقد الثمين سؤال عمّن قال أوصيتُ بمالي من البلد الفلاني
للمسجد الفلاني، أيدخل في الوصية النخل والماء أم النخل فقط؟». أجاب السالمي قائلاً: يتجاذب هذه المسألة أصلان عليهما بني الفقه، أحدهما: العرف الخاص بنا معشر أهل عُمان، فإنا قد خصصنا إطلاق المال (1) على النخيل وهو المتبادر في أفهامنا فهو حقيقة عرفية في حقنا، وثانيهما: اعتبار الوضع اللغوي، فإن اسم المال يطلق لغة على جميع ما يملك، فإذا عرفت هذين الأصلين، فاعلم أن الفقهاء اختلفوا في ترجيح كل منهما على صاحبه، فبعضهم رجح العرف وعوّل عليه نظراً إلى أن الأحكام الشرعية غير مقصورة على اللغة العربية، وإلا لسقط غالب الأحكام
عن
الأعاجم. وبعضهم رجح الاعتبار اللغوي نظراً إلى أن اللغة العربية غير مهجورة بين هؤلاء المتخاطبين، فهم يفهمونها في مثل هذا الخطاب، وأن الأعاجم يخالفوننا في نحو هذا؛ لأن العربية صارت عندهم مهجورة ولا يفهمونها، فبهذا يفارقوننا هذه الأحكام، وقد بنوا على هذين الأصلين عدة فروع من أبواب الفقه، فتراهم يختلفون عند وجودهما ومسألتك هذه يخرج فيها هذا الخلاف» (2).
في
(1) يطلق المال عند أهل البدو في الجزائر على الماشية من أغنام وماعز، فإذا أطلق المال يتبادر في أذهانهم هذا المعنى المعروف عندهم.
(2) السالمي: العقد الثمين، 411/ 3.