الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٨٧الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
587
والشرط الثاني: أن تدوم عقلة لسانه حتى الموت، فإذا تحقق هذا الشرطان انعقدت تصرفاته بإشارته التي اعتادها في التعبير عن إرادته، موقوفة إلى حين وفاته، فإذا مات على عقلته نفذت مستندة إلى تاريخ صدورها.
فلو أوصى معتقل اللسان بالإشارة، أو قرئت عليه الوصية وأشار أن (نعم)، صحت وصيته عند الجمهور خلافاً لأكثر الحنابلة).
وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم على قبول إشارة المصمت (معتقل اللسان) فقد صح عن أنس عنه أنه قال: عدا (2) يهودي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم على جارية فأخذ أوضاحا كانت عليها ورضخ رأسها، فأتى بها أهلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في آخر رمق وقد أصمتت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتلك؟ فلان؟ ـ لغير الذي قتلها ـ فأشارت برأسها أن لا قال فقال لرجل آخر غير الذي قتلها، فأشارت أن لا، فقال: ففلان لِقاتِلها؟ فأشارت أن نعم، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضخ رأسه بين حجرين» (3).
على أن من الفقهاء من جنح إلى التحقيق من شدة الشرط الثاني وهو: امتداد عقلة لسانه حتى الموت فذهب بعضهم إلى الاكتفاء بوقف تصرفات المصمت إلى حين وقوع اليأس من شفائه، وذهب بعضهم إلى وقفها مدة سنة يصبح بعدها المصمت كالأخرس الأصلي، فتقبل حينئذ إشارته المعهودة ويكون لها نفاذ فوري جاء في بدائع الصنائع ما نصه: «يجوز بيع الأخرس وشراؤه، هذا إذا
(1) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 89 - وحيد الدين سوار: التعبير عن الإرادة، ص 219. ـ ابن مفلح المبدع شرح المقنع المكتب الإسلامي، دمشق، 1391 هـ، 7/ 6. (2) عدا: تعدى. أوضاحا: حليا من الدراهم الصحاح. رضخ: كسر، رمق: نفس لفظاً. أصمتت: اعتقل لسانها فلم تستطع النطق لكن مع حضور عقلها.
ومعنى
(3) رواه البخاري في عدد من المواضع في صحيحه منها: كتاب الطلاق برقم (5295)، في باب الإشارة في الطلاق والأمور.