الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٩٥الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
595
ومن هنا لم يجد المحققون من فقهاء المسلمين في مختلف العصور أي
أن
غضاضة أو حرج في إعلان وجوب تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأعراف والأحوال، وهذا يدل على مقدار احترامهم للعرف وفهمهم القواعد الفقهية ما وضعت إلا لمصلحة الناس وضبط معاملاتهم التي يجب لأعرافهم، حتى لا يجمد الفقه أمام ما يطرأ من حوادث بحسب
أن تخضع
اختلاف الأحوال وتغير الأزمان).
ولا بأس نورد بعض نصوص العلماء تؤكد جواز تغيير الفتوى بسبب تغير الزمان وأخلاق الناس وعاداتهم.
يقول السالمي في سياق حديثه عن شهادة المرأة في الرضاع: «ثبت في السُّنَّة أنه تقبل شهادة امرأة واحدة في الرضاع ولا يشترط فيها العدالة، ولكن لما تغير الزمان فأصبحت النساء يسعين إلى إفساد النكاح بشهادتهن، اشترط بعض الفقهاء أن تكون الشاهدة عدلة وإلا لا تُقبل شهادتها، قال موسى بن علي: لا أقبل في هذا الزمان قول امرأة في الرضاع بعد النكاح إلا عدلة لما ظهر من الفساد؛ لأن الناس إذا شاؤوا فساد النكاح أحضروا امرأة فشهدت بالرضاع» (2).
ويقول ابن عابدين في هذا المعنى: «إن المسائل الفقهية إما تكون ثابتة بالنص، وإما أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد، ورأي وكثير منها ما يبنيه المجتهد على ما كان في زمانه، بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قال أولاً، ولهذا قالوا في شروط المجتهد أنه لا بد فيه من معرفة عادات الناس؛ فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان؛ لتغير عُرف أهله ولحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه للزم منه
(1) السدلان
نفسه، ص 427. المرجع
(2) السالمي: العقد الثمين، 116/ 3.