الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٩٧الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
597
وغير ذلك من الأمور التي تتغير من زمن إلى زمن، وبلد إلى آخر؛ ولذا فإنها لا يقضى بها البتة على من تقدم حتى يقوم دليل على موافقة العرف الجاري اليوم لسابقه فيكون الدليل هو الذي جعلنا نقضي به على الماضي لا بمجرد العادة، وكذلك في المستقبل لا يحكم بالعادة الماضية أو العرف السابق؛ لأنها غير مستقرة في ذاتها، وحيث كانت غير مستقرة لا يتأتى الحكم بها إلا على التصرف الحادث وقت قيامه … ).
ويرشد أهل الفتوى إلى مراعاة عادات الناس وأعرافهم في تقرير الأحكام حسب تغير الأحوال والأزمان ويحذر من الجمود عليها.
يقول القرافي: «الأحكام المرتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت وتبطل معها إذا بطلت كالنقود في المعاملات والعيوب في الأعراض في البيئات ونحو ذلك … وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المترتبة على العوائد … وعلى هذا القانون تراعى الفتاوى على طول الأيام … فمهما تجدد العرف اعتبره، مهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وافته به دون عرف بلدك، والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين، وعلى هذه القاعدة تتفرع جميع أيمان الطلاق، وصيغ الصرائح
والكنايات … » (2).
ولأهمية هذه القاعدة سأفصّل القول فيها، وأبين معناها وأدلتها وعناصرها،
وتطبيقاتها على الفروع الفقهية:
(1) الشاطبي: الموافقات، 2/ 220 - 221.
(2) القرافي: الفروق، 176/ 1 – 177.