الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٦٠٣الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
603
فالجهاد وإن كان من أفضل العمل، فذلك في حق الرجال، أما النساء فأفضل جهاد لهن حج مبرور كما جاء في الحديث السابق، ونجد هنا أنه تغيرت فتوي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوابه لما كان السائل امرأة، إذ الأصل في حمل السلاح أن يكون للرجال.
وهكذا كان يجيب علي الله عن السؤال الواحد بأجوبة مختلفة، وذلك لاختلاف أحوال السائلين؛ فهو يجيب كل واحد بما يناسب حاله، ويعالج قصوره أو تقصيره، ويعطي كل إنسان من الدواء ما يرى أنه أشفى لمرضه، وأصلح لأمره).
ج ـ من آثار الصحابة رضوان الله عليهم:
والناظر في هذي الصحابة وسُنَّة الراشدين لم يجدهم أفقه الناس في اختيار هذه القاعدة، ولذلك أمثلة عديدة يجدها من طلبها في مظانها ومنها: 1 ـ تغير فتواهم في عقوبة شارب الخمر، فإنه لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حد مقدر وإنما جرى الزجر فيه مجرى التعزير، ولما انتهى الأمر إلى أبي بكر الله
قرر العقوبة أربعين عن طريق النظر كما قال الشاطبي في الاعتصام). وخالفه القطب أطفيش في هذا الحكم فقال: «وجلد أبو بكر على الشرب ثمانين مع أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جلد عليه أربعين، واقتدى عمر بأبي بكر على الثمانين فنزل جلده ثمانين مع إقرار الحاضرين إياه على ذلك منزلة خبره بأنه رجع إلى الثمانين فوجب قبوله، حتى أن الربيع (3) حكم بهلاك تارك الثمانين … » (4).
(1) السدلان: القواعد الفقهية، ص 444.
(2) الشاطبي: الموافقات، ط مطبعة السعادة بالقاهرة، مصر، 118/ 2.
(3) يقصد الربيع بن حبيب أبو عمرو الأزدي العُماني (ت: حوالي سنة 170 هـ) ودفن في لوى
بعمان. سبقت ترجمته.
(4) أطفيش أمحمد بن يوسف: شامل الأصل والفرع، ط 1402 هـ / 1984 م، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان، 12/ 1.