الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٦٠٨608
القواعد الفقهية عند الإباضية
الشريعة أوجب من الحرج والمشقة، وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة في أعلى رتب المصالح لا تأتي به)، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل … (2).
ويقول القرافي في هذا المعنى: «الجمود على المنقولات أبداً ضلال في
الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضيين». ولهذا اشترط الفقهاء والأصوليون في المفتي الذي يتصدى للإفتاء أن يكون عارفاً بأحوال الناس وعاداتهم، فقال ابن عابدين: «والتحقيق أن المفتي في الواقع لا بد له من ضرب اجتهاد، ومعرفة بأحوال الناس» (4)؛ لأن كثيراً من الأحكام الاجتهادية ذات ارتباط وثيق بالأوضاع، والوسائل الزمنية، وبأخلاق العامة، فكم من حكم كان تدبيراً أو علاجاً ناجحاً لبيئة في زمن معين، فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يوصل إلى المقصود منه، أو أصبح يفضي على عكسه بتغير الأوضاع والوسائل والأخلاق.
كما أن من المقرر في فقه الشريعة أن لتغير الأوضاع والأحوال الزمنية تأثيراً كبيراً في كثير من الأحكام الاجتهادية؛ لأن هذه الأحكام تنظيم أوجبه الشرع، يهدف إلى إقامة العدل، وجلب المصالح، ودرء المفاسد. وعلى هذا أفتى الفقهاء المتأخرون من شتى المذاهب الفقهية في كثير من المسائل بعكس ما أفتى به أئمة مذاهبهم وفقهاؤها الأولون، وصرح هؤلاء
(1) ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين، 3/ 3.
(2) ابن قيم الجوزية المرجع نفسه، طبعة فرج الله زكي الكردي، 27/ 3.
(3) القرافي: الإحكام، ص 232.
(4) ابن عابدين: نشر العرف في بناء الأحكام على العرف، 117/ 2.