الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٦١٠610
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقد أكد بعض الفقهاء معنى هذه القاعدة، ونبه إلى الخطأ الذي يقع فيه بعض الناس فقال: «والحقيقة هي أن الحكم الشرعي لا يتبدل مهما تبدلت
الأزمان وتغيرت الأعراف اللَّهُمَّ إلا عن طريق النسخ، وقد أغلق بابه بعد الله النعمة على عباده بكمال هذا الدين الحنيف؛ فليس لمجتهد ولا سلطة من السلطات نسخ شيء من الشريعة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم والأحكام باقية ما بقيت الدنيا، إذن فالقاعدة الفقهية «العادة محكمة» ليس معناها أن بعض الأحكام الشرعية تتبدل بتبدل الأزمان حقيقة كما يُفهم من ظاهر هذا اللفظ.
وبيان ذلك يحتاج إلى تحقيق في معنى هذه القاعدة؛ فلطالما كان ظاهرها مزلقاً للأقدام، ومتاهة عن حقيقة المعنى المراد بها. كيف ولو كانت هذه القاعدة على ظاهرها لاقتضت أن تكون مصير شرعية الأحكام كلها رهنا بعادات الناس وأعرافهم، وهو ما لا يمكن أن يقول به أحد» (1).
قالب
ولذلك يرى بعض الفقهاء ضرورة إعادة صياغة القاعدة في أحسن وأجود مما هي عليه، إذ أن مجرد التعبير بـ «الأحكام» هنا تعبير موهم، فالأولى أن تصاغ بصيغة واضحة وهي: «لا ينكر تغيير الأحكام الاجتهادية المبنية على المصلحة والعرف بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف والعوائد» (2).
ولأجل ذلك فإننا سنفضل القول فيما يتغير من الأحكام بناء على عادات الناس وأعرافهم، وما لا يتغير، حتى نزيل اللبس الذي طالما يقع فيه كثير من الناس لما تذكر القاعدة: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان». هذا وقد تتبع بعض الفقهاء ما تعارف عليه الناس واعتادوه وأصبح عرفاً لهم، فحصروه في ثلاث صور:
(1) البوطي محمد سعيد رمضان ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، طبع مؤسسة الرسالة
بيروت،
ط 5، 1406 هـ / 1986 م، ص 281.
(2) الندوي علي أحمد القواعد الفقهية، ص 158.