القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٦١٢

612

القواعد الفقهية عند الإباضية

العقود والمعاملات، وما تفرضه سُنّة الخلق والحياة في الإنسان مما لا مدخل للإرادة والتكليف به، كاختلاف عادات الأقطار في سن البلوغ وفترة الحيض والنفاس، فهذه الأمثلة أمور ليست بحد ذاتها أحكاماً شرعية كالأمثلة التي قبلها، ولكنها متعلق ومناط لها، فاصطلاحات الناس في تعابيرهم وكلامهم ليست أحكاماً شرعية، ولكنها مناطات الأحكام المتعلقة بصيغ العقود والطلاق والأيمان، وما تعارفوا عليه من الأمور المخلة بالمروءة ليست إلا مناطاً للحكم بقبول شهادة الشاهدين أو رفضها، وما تعارفوه فيما بينهم من وسائل قبض المبيعات ووقت قبض الصداق ليس إلا أساساً لما رتب عليه الشارع من الأحكام، وهذه الصورة من العرف هي التي عناها الفقهاء بقولهم «العادة محكمة؛ لأن الشارع جعلها هي الأساس والمناط لما علق بها من أحكام ولا جرم أن صورة الحكم تتغير بتغير مناطه ألا ترى أن وسيلة الطهارة تتبدل ما بين الماء والتراب حسب تبدل حالة المكلف من قدرته على استعمال الماء وعدمها؛ لأن الشارع جعل قدرته على استعماله هو مناط وجوب الطهارة به. ومن الخطأ البين أن يُظن أن دوران مثل هذه الأحكام مع مناطاتها هو تبدل وتغير لجوهرها، بل الحكم في كل الحالات واحد، كما أن حكم الطهارة التي تؤدى بالماء تارة وبالتراب أخرى واحد (1). وبناء على ذلك اتفقت كلمة الفقهاء على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان وأخلاق الناس، هي الأحكام الاجتهادية المبنية على المصلحة، أو على القياس والاستحسان، وأقوال الصحابة، وشرع من قبلنا، أو على العرف والعادة، وغير ذلك من مآخذ الاجتهاد، وطرائق الاستحسان التي ثبتت بالنص، فإنه لا يجوز أن تدخلها يد التبديل أو التغيير أبداً؛ لأنها ثبتت بأدلة شرعية باقية

ما بقيت الدنيا (2).

(1) البوطي: ضوابط،

ص

283 - 282

(2) الزرقا المدخل، 924/ 2 - 925، السدلان القواعد، ص 431.