الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٦٢٤624
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومن فروع هذا المبدأ الفقهي أيضاً: أن الشهود الذين يقضى بشهادتهم في الحوادث يجب أن يكونوا عدولاً، أي ثقات، وهم المحافظون على الواجبات الدينية، المعروفون بالصدق والأمانة، وإن عدالة الشهود اشترطها
القرآن لقبول شهادتهم، وأيدتها السُّنَّة، وأجمع عليها فقهاء الإسلام. غير أن المتأخرين من فقهاء بعض المذاهب لاحظوا ندرة العدالة الكاملة التي فسرت بها النصوص، لفساد الزمن، وضعف الذمم، وفتور الوازع الديني، فإذا تطلب القضاة دائماً نصاب العدالة الشرعية في الشهود ضاعت الحقوق لامتناع الإثبات، فلقد أفتوا بقبول شهادة الأمثل فالأمثل من القوم حيث تقل العدالة الكاملة. وكذلك قالوا إذا تعذر أو عدم وجود القضاة العارفين بحل الأحكام الشرعية جاز أن يلي القضاء الأمثل فالأمثل)، ومعنى الأمثل فالأمثل: الأحسن فالأحسن حال بين الموجودين، ولو كان في ذاته غير كامل العدالة بحدها الشرعي، أي أنهم تنازلوا عن اشتراط العدالة المطلقة إلى العدالة النسبية (2). وكذلك أفتى المتأخرون في إثبات الأهلة لصيام رمضان وللعيدين بقبول رؤية شخصين، ولو لم يكن في السماء علة تمنع الرؤيا من غيم أو ضباب أو غبار، بعد أن كان في أصل المذهب الحنفي لا يثبت إهلال الهلال عند صفاء السماء إلا برؤية جمع عظيم؛ لأن معظم الناس يلتمسون الرؤية، فانفراد اثنين بادعاء الرؤية مظنة الغلط أو الشبهة.
-
وقد علل المتأخرون قبول رؤية الاثنين بقعود همم الناس عن التماس رؤية الهلال، فلم تبق رؤية اثنين منهم مظنة الغلط إذا لم يكن في شهادتهما شبهة أو تهمة تدعوا إلى الشك والريبة (3).
(1) الخليلي أحمد: المرجع السابق، ج 7/ ص 151.
(2) الطرابلسي علاء الدين علي بن خليل معين الحكام، (ت: 844 هـ، القسم الثاني، الباب 22، ص 145. - الزرقا، المدخل، 949/ 2.
(3) أبوستة: العرف والعادة، ص 111، 112. - الزرقا: المدخل، 949/ 2.