الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٦186
القواعد الفقهية عند الإباضية
فالدارس لاختلاف الفقهاء يقف على آراء الفقهاء وأسباب اختلافهم وأدلتهم ومآخذهم، ومناقشة الأدلة بقصد الوصول إلى الرأي الذي تُقوّيه الأدلة، وقد ركز الفقهاء والأصوليون المعاصرون في مجال أسباب الاختلاف على القواعد اللغوية والأصولية)، وأغفلوا القواعد الفقهية مع أن الفقهاء القدامى لم يغفلوا هذا الجانب وأفردوه بالتصنيف، ومن هؤلاء العلماء: أبو زيد الدبوسي، حيث ذكر في كتابه «تأسيس النظر الكثير من القواعد الفقهية التي كان الخلاف في تقعيدها وصياغتها سبباً من أسباب الاختلاف في الفروع الفقهية. وظل هذا الجانب مغفلًا عند المعاصرين إلى أن جاء محمد الروكي، وأفرده بعمل علمي متميز سماه «نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء فجزاه الله خير الجزاء على ما قدم وبذل من جهد في إبراز هذا الجانب، فقد ذكر في كتابه أن الفقهاء في تناولهم للخلاف الفقهي وأسبابه لم يدرجوا ضمن هذه الأسباب التقعيد الفقهي بشكل واضح مباشر مقصود، في أنه من أهم أسباب الاختلاف، بل يعادل أسباب الاختلاف كلها؛ لأن أسباب الاختلاف التي تحدّث عنها الفقهاء إنما ترتبط بالأحكام الجزئية، ونحن هنا نريد الحديث عن ارتباطها بالأحكام الكلية، وهي من هذه الجهة تعتبر بمجموعها أسباباً للاختلاف (2).
حين
ويرجع محمد الروكي سبب عدم التركيز على هذا السبب أنه ليس سبباً بذاته، وإنما هو مسبب عن أسباب الاختلاف المعروفة، ولكن لا يعتبر ذلك مبررا لإغفاله وعدم التركيز عليه بل لا بد من، إظهاره وبيان العلاقة بين القواعد الفقهية واختلاف الفقهاء، ومن الأمثلة التي تظهر تلك العلاقة قاعدة:
(1) من الكتب التي اهتمت بأسباب الاختلاف أسباب اختلاف الفقهاء، للشيخ علي الخفيف، وأسباب اختلاف الفقهاء لعبد الله التركي، وأثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف
الفقهاء لمصطفى الخن.
(2) الروكي: نظرية التقعيد، ص 247.