الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٧الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
187
الرخص لا تناط بالمعاصي»، أي رخص الشرع لا يستحقها العصاة؛ لأنهم دخلوا إلى تلك الرخص من باب المعصية لا من باب الطاعة، لكن الفقهاء اختلفوا في هذه القاعدة، فمنهم من أقرها، ومنهم من لا يعتبرها، ولذلك ساقها الونشريسي بصيغة الاستفهام فقال: «العصيان هل ينافي الترخيص أم لا؟ وعليه تيمم العاصي بسفره، وقصره وفطره، وتناوله الميتة … » (1)
وقد ترتب على هذا الاختلاف في هذه القاعدة الاختلاف في أحكام الفروع المندرجة تحت هذه القاعدة (2).
وأما سبب اختلافهم في اعتبار أصل القاعدة فيرجع إلى الاختلاف في المشترك اللغوي الوارد في قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} (البقرة: (173)، فقوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ﴾ (البقرة: 173)، يحتمل معنيين: الأول: غير باغ ولا عاد في سفره، فلا بد أن يكون سفره طاعة لا سفر معصية. والثاني: المراد غير باغ ولا عاد في تناوله الأكل المحرم.
فالذين حملوها على المعنى الأول استنبطوا قاعدة: «الرخص لا تناط بالمعاصي والذين حملوها على المعنى الثاني قالوا: لا وجه لاستنباط تلك
القاعدة (3).
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه لما كانت القواعد الفقهية في أكثرها موضع اتفاق بين الأئمة المجتهدين، ومواضع الخلاف فيها قليلة، فإن دراستها والتمكن منها تربي عند الباحث ملكة المقارنة بين المدارس الفقهية المختلفة، له وجوه الاختلاف وأسبابه بين المذاهب فيبذل جهده للتقريب بينها،
وتوضح ويحاول تقليص شقة الخلاف بين المسلمين.
(1) الونشريسي: إيضاح المسلك، قاعدة (12) ص 66.
(2) الروكي: المرجع السابق، ص 248 - 249. وينظر محمد شبير: القواعد الكلية
ص 81 - 83.
(3) الروكي المرجع نفسه - شبير محمد: المرجع نفسه.