الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١١٩الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
119
عارية مضمونة مؤداة»، فقال أهل العراق ليس في قوله: «عارية مضمونة مؤداة ما يوجب الضمان؛ لأنا قد علمنا أنها أمانة وأنه لا يملكها، وأن عليه أن يرد الأمانة إلى صاحبها، فإن تلفت بغير تعد فسبيلها كسبيل سائر الأمانات لا يلزمه فيها إلا الحفظ لها، وهذه إخبار عن التزامه لحفظها حتى يؤديها واستعماله لها بأمر صاحبها، فإن تلفت بغير تعد لم يكن ضامناً لها. وقال أهل الحجاز معنى قوله: «عارية مضمونة مؤداة»، أي: أنا لها ضامن حتى أؤديها إليك، ولو لم تكن مضمونة بهذا القول كان فيه تقدير
لصاحبها. وقال أصحابنا (الإباضية إذا اشترط لصاحبها الضمان لم يضمن إلا بالتعدي فيها، وعندهم أن المستعير متى شرط لصاحب العارية ردها أو شرط عليه ربها كان لها ضامنا، وقول أصحابنا أعدل وأشبه بظاهر السنة، وإذا لم يشترط لم يكن عليه ضمان إلا بالتعدي فيها؛ لأنها لم تنتقل عن ملك ربها. وبناءً عليه: فمن أعار إنساناً عارية إلى وقت معلوم لم يكن له أخذها قبل انقضاء المدة من طريق الديانة، وعلى صاحبها الوفاء للمستعير بوعده. قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: 1). وقال في موضع آخر يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصف: 2 - 3). وبعد أن عرض ابن بركة رأي الفقهاء في ضمان العارية وبين الخلاف، رجح رأي الإباضية لأنه الأعدل والأنسب لموافقته لظاهر الحديث، وناقش من خالفه، ووجه الأدلة توجيهاً يتماشى مع رأي الجمهور، وبين موطن الضعف في استدلالهم فقال: «فإن قال قائل: ما أنكرتم وجوب الضمان، يقول النبي الصفوان بن أمية عارية مضمونة مؤداة»، وقوله عليه الصلاة والسلام: كل يد تردّ ما قبضت لها قيل له معنى الخبرين واحد، ونحن نقول بذلك أنه يجب على المستعير رد ما، استعاره وعلى كل يد ترد ما قبضت إن كانت قادرة
منشأ