الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٢٨=
القواعد الفقهية عند الإباضية
128
فإن قال قائل: لم حكمتم بوجوب الضمان عليه بعد أن برئت ذمته منها؟ قيل له: إنما حكمنا له بالرجوع عليه كما حُكم لمن ملك مالاً حلالاً في الظاهر، يأكله وينفق منه ثم يستحقه عليه بعد ذلك مستحق، فلا يكون غاصباً فيما تقدم من فعله قبل الدرك، وهو مال الله تبارك وتعالى يحله لواحد وقتاً ويحرمه عليه وقتاً، والضمان قد يلزمه بغير التعدي لعلة من طريق التعدي). ولعل اختيار ابن بركة يترتب عليه مشقة وحرج على الملتقط، خاصة إذا مرت سنة بعد تعريف اللقطة فانتفع بها أو تصدق بها على الفقراء، ثم نطالبه بضمانها وتعويض مثلها أو قيمتها لصاحبها إذا طلبها، وهذا يتنافى مقاصد مع الشريعة التي تدعو إلى رفع الحرج والمشقة عن الناس، فالملتقط لم يتعد في تصرفه، بل تصرف وفقاً للمصلحة الشرعية وفي حدود طاقته، ولذلك فإنني أجد نفسي لا تميل إلى رأي ابن بركة ومن وافقه من الإباضية وأخالفهم في الرأي وأقول: لا ضمان عليه إن لم يظهر صاحبها بعد مرور الحول، ولعل هذا الرأي هو الأعدل والأنسب لموافقته لظاهر النصوص الثابتة في حكم اللقطة فهي تؤيده؛ حيث أباح الرسول صلى الله عليه وسلم للأعرابي أن ينتفع بها بعد تعريفها إن كان فقيرا، أو يتصدق بها إن كان غنياً. وهذا الرأي هو ما ذهب إليه الشافعي ومالك حيث قالا: إن وجد لها رباً بعد تعريفها سنة ردها، وإلا فهي وقد رُوي أن ابن عمر ـ مع زهده ـ كان إذا مر بتمرة ساقطة التقطها وأكلها (2)، وأما ابن عباس فرُوي عنه قوله: من وجد من سقط المتاع فلينتفع
(1) ابن بركة المصدر نفسه، 218/ 1.
له.
(2) رواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب اللقطة، باب ما جاء في قليل اللقطة، حديث: 11307 قال: «ومر ابن عمر بتمرة مطروحة في الطريق فأكلها قال البيهقي: رواه البخاري في الصحيح عن قبيصة، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن الثوري دون ابن عمر. وقد رويناه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه قال: «إني لأدخل بيتي أجد التمرة ملقاة على فراشي»، وفي رواية: ولا أدري أمن تمر الصدقة أو من تمر أهلي فأدعها»، وذلك لا يتناول