الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٥٨258
القواعد الفقهية عند الإباضية
ورد ابن بركة على من جوز الهبة بدون قبض قياساً بالوصية، فإن قال قائل: فلم جازت الوصية بغير قبض وهي هبة أيضاً؟
قيل له: إن الوصية تجب بعد الموت كالميراث والهبة تجب في حياة الواهب، ألا ترى أن الوارث يجب له المال عن الميت ولو لم يقبض كذلك الوصية؟
فإن قال: فإن لم يقبل الموصى له، قيل له: أن يرجع ما أوصى له به إلى الورثة، كما أن الوارث لو لم يقبل ميراثه رجع إلى سائر الورثة» (1).
منشأ الخلاف
وسبب الخلاف بين الفقهاء في اشتراط القبض والقبول في الهبة والعطية يرجع إلى اختلافهم في مدلول الحديث الذي رُوي عن أبي بكر في رجوعه في هبته لابنته عائشة، هل يعتبر شرط القبض خاص بالوالد مع ولده، أم هو عام لكل هبة لا تصح إلا بالقبول والقبض؟
يقول القطب أطفيش في هذا الصدد بعد أن أورد قصة أبي بكر انه مع ابنته: «ويبحث بأنه دليل خاص والمدعي عام؛ لأن هذه الهبة هبة أب لولد، والمدعى أنّ الهبة مطلقا لا تصح إلا بالقبض والقبول.
ويجاب: بأن العبرة بعموم التعليل في قوله: «إنك لم تقبضيه»، فإنه تعليل معنوي يفيد أن القبض شرط على الإطلاق، وعلى القول الأول، لا حكم
للواهب فيها، إلا إن لم يقبل الموهوب له، فيؤخر إلى قبوله أو رَدّه.
ـ وعلى الثاني: هي في حكم الواهب إن رجع إليها قبل القبول والقبض، ولا يجبر الموهوب له على القبض أو الرد ومؤنتها وجنايتها من مال الواهب إذا كان في يده، وإن مات الموهوب له فورثته يقومون مقامه، وإن قبل
(1) ابن بركة المصدر نفسه، 416/ 2.