القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٤٦

246

القواعد الفقهية عند الإباضية

ولم تقف جهودهم عند هذا الحد؛ فقد أولى ابن بركة بالقواعد عناية خاصة من خلال تأصيله للمسائل الفقهية في كتابه الرائع «الجامع» ولم يدرك شأوه اللاحقون في المشرق ولا في المغرب، ولم يكتف بذلك، بل ألف رسالة مستقلة خصصها لقاعدتين فقهيتين وهما قاعدة العادة محكمة»، و «اليقين لا يزول بالشك»، وسماه كتاب التعارف (1)، ويعتبر هذا الكتاب من أول الكتب الخاصة بالقواعد الفقهية عند الإباضية التي وصلت إلينا، وتابع المسيرة من بعدهم فقهاء آخرون، فكانت مؤلفاتهم تضم بعض القواعد؛ ككتاب «بيان الشرع» لمحمد بن إبراهيم الكندي، وكتاب «المصنف» لأبي بكر أحمد الكندي، و «كتاب الضياء لسلمة بن مسلم العوتبي، حيث هذا الأخير خصص الجزء الثالث منه لبعض القواعد الفقهية والأصولية، و «مختصر الخصال» لأبي إسحاق الحضرمي. ولعل هذا الأمر لم يتحقق مع عموم الإباضية، فلم نعثر لهم مصنفات خاصة بالقواعد الفقهية إلا في المراحل المتأخرة، بل بقيت القواعد مدونة مع الفروع الفقهية والمسائل الفقهية في المصنفات الفقهية، ولم تفرد في مؤلفات خاصة كعلم مستقل عن الفقه، كما نلحظه في المدارس الفقهية الأخرى، مثل رسالة أبي طاهر الدباس (2) الذي جمع فيها أهم قواعد مذهب أبي حنيفة في سبع عشرة قاعدة، وكان ذلك في مطلع القرن الرابع الهجري، ولعل ابن بركة الإباضي قد سبقه في تأليف أول رسالة للقواعد الفقهية سماها «كتاب التعارف»، جمع فيها قاعدتين من القواعد الكلية الكبرى المتفق عليهما وهما: اليقين لا يزول بالشك وعبّر عنها بقوله: اليقين لا يزول حكمه إلا يقين

(1) سمي

هذا الكتاب بهذا الاسم لأنه اهتم بدراسة قاعدة العرف والعادة وقد أثبت ابن بركة أن هذه القاعدة معتبرة في التشريع الإسلامي ومثل لها بأمثلة عديدة ومتنوعة، والكتاب من الحجم الصغير، يضم 54 صفحة نشرته وزارة التراث والثقافة العُمانية سنة 1983 م. وقد حققه أحد الباحثين في سلطنة عُمان ولم يطبع وهو في حوزة الباحث. (2) أبو طاهر الدباس اسمه محمد بن محمد بن سفيان مشهور بكنيته. تفقه بأبي خازم. وكان من أهل السنة. ويوصف بالحفظ، ومعرفة الروايات تاج التراجم لقاسم بن قطلوبغا، 336/ 1.