الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٣٢332
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 ـ ومن جهة أخرى، فإنه ينبغي للحاج أن لا يقصد بحجه الرياء والافتخار، وحُبّ المحمدة من الناس، والإسراف في نفقات الحج بقصد المخيلة، فكل ذلك حرام يحبط العمل؛ لأن ذلك من أعمال المستكبرين، وقد يغضب بعض الحجاج إذا لم يُدْعَ بلقب «الحاج» فبئس صنيعهم، وقد أشار ابن بركة البهلوي إلى هذا الأمر وحذر منه مستدلاً بنصوص من أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم حج على رخل قيمته أربعة دراهم، ثم قال: «اللَّهُمَّ حجة لا رياء فيها ولا سمعة» (1).
السنة، فعن
وعقب ابن بركة على هذا الحديث بعبارة بليغة فقال: «فالواجب على من أراد الحج أن يتواضع جهده، وأن يخلص نيته لله وحده، وأن يصرف همته إلى ما عنده ويجتنب الرياء والسمعة، فإنه سفر، عبادة، وأن إظهار المروءات في سفر الحج، والتفاخر والاستكثار من إظهار النعم فيه من دواعي الخيلاء والإعجاب اللذين يؤديان إلى إحباط الثواب (2). وقد يفهم البعض أنه يجب عليه أن يقتصد في نفقات الحج، فيقتر على نفسه ويمنع الصدقة عن غيره، وهذا الفهم يتنافى مع قصد الشارع في قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَةٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَةِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَابِسَ الْفَقِيرَ﴾ (الحج: 28)، ولذلك استدرك ابن بركة على هؤلاء ورغبهم في كثرة الإنفاق في الحج، رجاء الثواب الجزيل من الله، فقال: «وإن أكثر الحاج من النفقة رجاء الثواب كان أفضل له، ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المنفق في الحج كالمنفق في سبيل الله، الدرهم
(1) رواه ابن ماجه، كتاب الحج، باب الحج على الرحل، رقم: 2890. عن أنس. والطبراني في الأوسط: 99/ 2. رقم 1378. عن ابن عباس. قال المناوي: «قال الهيثمي بعد ما عزاه له وللطبراني رجال أحمد رجال الصحيح .... لكن الحديث له شواهد ترقيه إلى الصحة بل ادعى بعضهم تواتره». فيض القدير: 27/ 2.
(2) ابن بركة الجامع، 44/ 2.