القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٥٣

الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى

353

وطلاق المجنون غير واقع منه باتفاق منهم ومن مخالفيهم أيضاً، وكذلك قال الجميع: إن من وقع منه هذا الطلاق في حال مرض، أو من خولط في عقله ببعض العلل أن طلاقه لا يلزم، ولم أعلم أن أحداً أجاز بع السكران

ولا شراءه» (1). وتعجب ابن بركة من موقف جمهور الإباضية الذي يفرق بين طلاق السكران وغيره من التصرفات، ولم تظهر عنده علة مناسبة لذلك، ولا مسند لهم في هذه المسألة، فتساءل وقال: ولم أعلم ما وجه أصحابنا في تفريقهم بين طلاق السكران وغيره من النكاح والبيع والشراء، مع استواء حكم الظاهر في الجميع مع قولهم: إن الطلاق لا يقع إلا بالنية والسكران لا نية له!» (2). ولكن بعد التأمل في المسألة والنظر فيها من كل الجوانب تبين له الحكم المناسب الذي لا يسوّي بين السكران المميز وغير المميز، فوافقهم في جانب التمييز لما يكون السكران واعياً لما يصدر منه، واختلف معهم عند فقد التمييز فقال: «والنظر يوجب عندي أن السكران الذي معه تمييز أن الأحكام تلزمه في كل شيء؛ لأنه يفعل ما يفعله بقصد لما عنده من التمييز، وأما السكران الذي لا تمييز معه كالمجنون الملقى في قارعة الطريق والساقط على المزبلة، فسبيله عندي سبيل المجنون الذي تقع أفعاله معراة من المقاصد، والله تبارك وتعالى لا يخاطب إلا من يعقل عنه خطابه، ومن كان مجنوناً أو لا يعقل الخطاب لا تلزمه أحكام العقلاء» (3).

وقد عضد ابن بركة مذهبه بنص من القرآن يخاطب الله فيه السكارى رغم أنه يفترض أنهم في حالة فقدان الوعي والإدراك، فيقول: «وقد خاطب الله جل ذكره بعض السكارى بقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى﴾ (النساء: 43).

(1) ابن بركة: الجامع، 179/ 2.

(2) المصدر نفسه.

(3)

ابن بركة: الجامع، 179/ 2.