الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٥٦356
القواعد الفقهية عند الإباضية
مجمل القول:
بعد التأمل في قولي ابن بركة والسالمي ومن نحى نحوهما (1) يظهر أن الرأي الأقرب للصواب والذي يطمئن إليه القلب، وتميل إليه النفس هو رأي ابن بركة وغيره لقوة أدلته ووجاهته، ومراعاته للقواعد الشرعية، والمقاصد العامة من التشريع التي تراعي حال المكلفين وتنظر إلى مقاصدهم، وليس إلى التصرفات الظاهرة فقط، والذي يؤيد ما ذهبنا إليه أن السالمي رغم أخذه بالرأي الذي يُعاقب السكران على جميع تصرفاته، فإنه منع من تطبيق العقوبات عليه، وبخاصة في حد الردة للشبهة الحاصلة وهي أن السكران في حال الردة لا تمييز معه، وهذا يتناقض مع أصله القائم على معاقبة السكران على تصرفاته مطلقاً، سواء كان سواء كان في حالة سكره مميزا أم فاقدا للوعي. ولكن قد يسأل البعض، لماذا يراعي السالمي وغيره في هذه الحالة هذا الحالات الأخرى يغفل عنه، ويجري عليه الأحكام، ويحاسبه
المقصد، وفي على تصرفاته، فيحكم بطلاق السكران؟! ولعل السبب في استثناء هذا الحكم من غيره هو للشبهة الحاصلة، لأنه لا يمكن الجزم بقصد السكران في حالة القتل، والحدود تسقط بالشبهات كما نصت عليه النصوص والقواعد الشرعية. وفي السياق نفسه سئل السالمي عن الرجل إذا سكر بخمر لا بدواء فطلق زوجته، حسبت عليه، أما إذا باع أو أعطى أو وهب لا يترتب على ذلك أثر إلا بالقصد.
قال السائل: ما الفرق بين السكر بالخمر وبين السكر بالدواء، ثم ما الفرق بين الطلاق وسائر الأشياء المذكورة؟
فأجاب: «أما الفرق بين الدواء والخمر، فلأن الخمر مسكر طبعاً محرم شرعاً، فمن قصده فقد تعرض لزوال عقله، وأثبتوا عليه الطلاق؛ لأنه في حكم
(1) بكوش يحيى فقه الإمام جابر بن زيد، ص 420 - 422.