القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٣٤

434

القواعد الفقهية عند الإباضية

ومثال الفعل المباح: الأكل، فإن أكل للتَّقَوّي على العبادة، ففعله طاعة، وإن أكل للتقَوِّي على المعاصي ففعله معصية.

ومثال الفعل المكروه الطلاق، فإن طلق بقصد الخلاص من زوج سوء ـ مثلاً ـ كان فعله طاعة، وإن طلق بقصد التذوق للنساء كان

فعله معصية (1). فظهر بهذا أن كل فعل يدخل تحت واحد من الأحكام الشرعية الأربعة

المتقدمة، تتحكم نية فاعله في وصفه بالطاعة أو المعصية (2).

وبقي الكلام عن الفعل الداخل تحت الحكم الخامس، وهو الحرمة

من حيث اشتمال هذه القاعدة عليه، وهذا ينبغي جعله على نوعين: أ - فعل محرم، ولا تأتي على المكلف حال يكون فيها مباحاً له قط، وذلك مثل الزنا أو الربا أو الظهار من الأزواج.

فهذا النوع لا يدخل تحت القاعدة المذكورة، بمعنى أن نية الفاعل له لا يمكن أن تتحكم فيه، فيكون طاعة تارة ومعصية تارة أخرى، بل هو حرام على أي حال كان، ولو أتاه فاعله على نية صالحة حسنة في ظنه. فلو زنى بنية تنقية نفسه وتخليص جسمه من المادة المحتقنة دفعاً به لضررها ـ حسب زعمه الكاذب ـ أو زنت بقصد تحصيل ما يقوّتها أو يقوّت من لزمها عوله، أو شرط زيادة على ما أعطى بنية تنمية المال لتوسيع دائرة القرض للمحتاجين، أو ظاهر من زوجته بنية العقوبة والنكال لها لإخلافها بواجبات دينها، فكل فعل من هذه الأفعال يبقى محرماً ومعصية،

(1) التذوق للنساء: أي بمعنى أن يجعل الطلاق ديدنه فيتزوج في الصباح ويطلق في العشي لينزو كل يوم على واحدة، أو يكمل النصاب فيستقر على ثلاث، ويجعل الرابعة جديدة كل يوم إشباعاً لشهوته الحيوانية، وكلا الأمرين من عمل أهل الترف والغواية، نسأل الله العافية في

الدارين … راجع المسعودي، ابن بركة ودوره الفقهي، هامش ص 205.

(2) المسعودي: المرجع السابق، ص 205.