الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٤٤222
القواعد الفقهية عند الإباضية
في الغالب ـ إلى سؤال المتكلم عن مراده بها؛ لأنه بين، بخلاف الألفاظ المحتملة لعدة معان فإنه لا يمكن معرفة مراد المتكلم بها إلا بعد سؤاله عن قصده بها. وقد تساءل القطب أطفيش هل يحكم على الحالف بلفظه أم بما ينويه؟ أشار إلى اختلاف العلماء في ذلك، ورجح القول الذي يرى أن المعتبر هو
نية الحالف استناداً للحديث المشهور: «إنما الأعمال بالنيات» (1). وكذلك فإن هذه القاعدة تعني أن المؤاخذة إنما تكون على ما قصده اللافظ من لفظه، وخاصة فيما يتعلق بأمور الإيمان والاعتقاد، فإن المتلفظ بالكفر لما كان مكرهاً عليه إكراها ألجئ إليه وقلبه مطمئن بالإيمان لم يؤاخذه الله على التلفظ بكلمة الكفر، بل عفا عنه. أما من تلفظ بها مستخفاً بها، فهذا يؤاخذ عليها، كما حصل ذلك ممن استهزأ بالنبي صلى الله عليه وسلم وقراء المسلمين في غزوة تبوك، إذ قال قائلهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء).
فعد الله تبارك وتعالى هذا منهم كفراً واستهزاء بآياته، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَلِهِ، وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَنِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةٌ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (التوبة: 65 - 66). وهنا نتساءل: هل هذه القاعدة مطردة في باب الأيمان؟ وهل المعتبر فيها نية الحالف، وهو المتلفظ؟ أم نية المستحلف؟
أقول: قد استثنى العلماء من هذه القاعدة حالة اليمين إذا كانت من
المستحلف، كالقاصر فهي على نيته، ولا تكون على نية الحالف.
(1) أطفيش: شرح النيل، 308/ 4، بتصرف. (2) الطبري: جامع البيان، ينظر: سبب نزول الآيتين، 171/ 10 - 174. ـ البغوي، التفسير، 308/ 2. - الواحدي أسباب النزول، ص 287، 289.