الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٧الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
57
والحقيقة أن سلامة النظر في هذه التعريفات وصحة التعامل معها يتطلب استحضار أمرين لا بد منهما
الأول: أن هذه التعريفات منها ما يشمل القاعدة بصفة عامة، سواء أكانت
فقهية أم غير فقهية، ومنها ما يتعلق بخصوص القاعدة الفقهية.
الثاني: أن هؤلاء العلماء لم يكونوا يجهلون أن للقواعد استثناءات حتى أنهم قالوا: «ومن المعلوم أن أكثر قواعد الفقه أغلبية»). لذلك كان بعضهم يدخل في تعريفه للقاعدة هذا الاعتبار، بينما كان البعض الآخر يهمله استناداً إلى أن الغالب في القاعدة عدم سلامتها من الشذوذ والاستثناء (2).
وفي ضوء هذين الأمرين وبمراعاتهما ندرك أن بعض هذه التعريفات اهتم فيها أصحابها بالقاعدة من حيث أصلها غير ملتفتين إلى ما قد يلحقها من استثناء؛ لأن الأصل في القاعدة أن تطرد وتنطبق على جميع جزئياتها، فالاطراد فيها أصل، والشذوذ والاستثناء طارئ، وتعريف القاعدة بهذا الاعتبار هو ما نجده عند
كل من الشريف الجرجاني، والسالمي والراشدي والفيومي، والتفتازاني. بينما نلاحظ تاج الدين ابن السبكي يتجنب في تعريفه ما يدل على الاطراد مشيراً إلى أن القاعدة معرضة لشذوذ بعض أفرادها عنها، وهذا ما يفيده قوله: ينطبق على جزئيات كثيرة، فهو قد استعمل لفظ الكثرة ليدل ـ بمفهوم المخالفة - على أن القلة من جزئيات القاعدة هي عرضة للاستثناء والخروج عن قاعدتها.
(1) المالكي محمد علي بن حسين تهذيب فروق القرافي في الحاشية، 36/ 1. (2) عقب محمد شبير على تعريف الحموي فقال: ويلاحظ على هذا التعريف أنه غير خاص بالقاعدة الفقهية؛ لأن القاعدة ليست وحدها الأكثرية وإنما أغلب القواعد من أصولية ونحوية تتصف بالأكثرية أو الأغلبية، وإنما تتميز القاعدة الفقهية بموضوعها وطبيعة القضايا التي تشتمل عليها لا بكونها كلية أو أغلبية؛ لأن هذه خاصية عامة للقواعد». ينظر: محمد عثمان
شبير، القواعد الكلية والضوابط الفقهية، ص 16.