القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٥

الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية

15

لا يجب أن يحكم في شيء منه إلا بيقين، إذ اليقين عنده ما لا يجوز أن يكون غيره، بل الذي أخذ علينا وتعبدنا به أن نحكم بما هو يقين عندنا وفي غالب ظنوننا، لا اليقين الذي عند الله» (1). ويؤكد الشماخي أيضاً هذا الأمر في معرض حديثه عن حالات وجوب الغسل من الجنابة إذا وجد الشخص أثرها في ثوبه أو جسده بعد النوم فقال: وهذا كله عندي مبني على أن الظن الغالب يجب منه الغسل؛ لأن جل أحكام الشريعة مبنية على غلبات الظنون - والله أعلم - ولذلك يجب من هذه الأشياء المذكورة الغسل).

ويشير الثميني في «الورد البسام إلى مفهوم غلبة الظن واعتماده في تقرير الأحكام فيقول: «ولا يشرط في الشرعيات العلم اليقيني بل يكفي فيها الاعتقاد الراجح، قال تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (النور: 33). وقال أيضاً: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَتِ} (الممتحنة: 10). وقد ينقلب العلم بذلك ويتخلف، كالعلم بعدالة الشهود أكفاء بالظاهر وغلبة الظن أن هذا الإنسان تجب عليَّ ولايته، وأنه تدفع له الزكاة» (3). وأومأ ابن بركة أيضاً إلى هذا المعنى فقال: كذلك كلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجتهدوا في حكم الحوادث التي كلفهم الله الحكم فيها، فإذا استدلوا وطلبوا ما كان عندهم أنه الحق الذي كلفهم إياه وقاسوا وغلب على ظن كل واحد منهم أنه قد أصاب الحق حكم به، وحكم له بالثواب على ذلك. ألا ترى أن الواحد قد يحكم بإباحة فرج أو تمليك حال، ثم يظهر على خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فيرجع إليه ويعمل به ويدع ما كان عمل به قبل ذلك .... (4).

منهم

(1) ابن بركة المصدر السابق، ص

39

(2) الشماخي: الإيضاح، 175/ 1.

(3) الثميني عبد العزيز الورد البسام، ص 259 - 260.

(4) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 8.