القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢١

الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية

21

فمعنى قولنا: اليقين لا يزول بالشك» أو «اليقين لا يزال إلا بيقين مثله» أن العلم الثابت للمكلف بطهارة ثوبه مثلاً أو بولاية شخص أو البراءة منه لا يرفع ويثبت نقيضه بالارتياب والتردد (1).

وبعد أن حددنا معنى اليقين والشك عند الفقهاء، أصبح معنى القاعدة واضحاً، وجليّاً، فالأمر الثابت والمقرر بدليل، أو أمارة، أو أي طريق من طرق الإثبات المعتد بها، والمعبر عنه بالأصل أو اليقين، لا يرتفع حكمه بالشك، أي الاحتمالات التي لا يعززها دليل، بل يبقى حكم اليقين سارياً حتى يقوم الدليل المعتد به في تغيير ذلك الحكم. فالذي يتبادر إلى الذهن أن معنى اليقين هنا هو الاستصحاب لما تيقن في الماضي وهو الأصل، وأطلق عليه اليقين مجازاً، والمراد من الشك هو: الشك الطارئ بعد حصول اليقين، فلا يتعين هنا إلا هذا المفهوم باعتبار أن اليقين لا يتصور مع وجود الشك إذ أنهما نقيضان (2).

ولتوضيح ذلك أكثر يمكن القول: إن الأصل براءة الذمة، فاليقين في ذلك أنها ليست مشغولة، وإذا قام الدليل على شغلها كان اليقين شغلها بالدين (3). كما أن الأصل في المياه الطهارة سواء كانت مياه أمطار أو أنهار أو بحار أو عيون أو آبار، فهذا هو اليقين فيها، فلا يعدل عن ذلك بالشك، والأصل في الذبائح الحرمة، أي الأمر المتيقن فيها أنها كذلك ما لم يقم دليل على تذكيتها، والأصل في الكلام الحقيقة، أي المتيقن في دلالة الألفاظ استعمالها في المعنى الذي وضعت له، ما لم يقم دليل على صرفها عن ذلك، والأصل في العام أن يتناول جميع ما يصلح له، وهذا هو المتيقن ولا يصرف عنه إلى الخصوص ما لم يقم دليل عليه.

(1) الراشدي سفيان: الجواهر، ص

(2) السبكي: الإبهاج في شرح المنهاج، تحقيق وتعليق شعبان محمد إسماعيل مطبعة أسامة، ط، القاهرة 1402 هـ / 1982 م. - حيدر علي درر الحكام شرح مجلة الأحكام، 20/ 1.

(3) الراشدي سفيان الجواهر، ص 74.