الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٢22
القواعد الفقهية عند الإباضية
والحكم الثابت بالدليل يبقى ثابتاً ما لم يرد دليل يرفعه، فيعتبر بقاؤه يقيناً استناداً إلى الدليل فلا يزيله احتمالات ليس لها ما يبررها، فمن ملك شيئاً بعقد أو إرث أو أي سبب صحيح يبقى مالكاً لما في حوزته ولا ينتقل إلى غيره إلا بدليل؛
لأن الملك استند إلى سبب صحيح، فثبوته يقيني فلا يزول إلا بيقين مثله). وبناء عليه، يجب أن يفسر اليقين بمعنى الاستقرار الذي أشار إليه الجرجاني بقوله: «يقن الماء في الحوض إذا استقر كما سلف ولا يراد به المعنى الذي بينه ابن منظور وابن جعفر وغيرهما بأنه نقيض الشك جرياً على اصطلاح علماء المنطق وعرفهم، حيث عبروا عنه بالاعتقاد الجازم المطابق الثابت. فإن الاعتقاد الجازم يخرج به الظن وغلبة الظن، لأنه لا جزم فيهما، ومن المعلوم أن الظن الغالب يعتد به في الشرع، وتبنى عليه الأحكام فلا عبرة بقول المناطق هنا، لأن تفسيرهم لليقين لا ينسجم مع ما يقرره الشرع، وذلك لأن الأمر في كثير من الأحيان يكون في نظر الشارع يقيناً لا يزول بالشك، في حين أن العقل يجيز أن يكون الواقع خلافه، ومثال ذلك: الثابت بالبينة الشرعية، فإنه في نظر الشرع يقين كالثابت بالعيان، مع أن شهادة الشهود لا تخرج عن كونها خبر آحاد يجيز العقل فيها السهو والكذب، وهذا الاحتمال الضعيف لا يخرج ذلك عن كونه يقيناً؛ لأنه لقوة ضعفه قد طرح أمام قوة مقابلة ولم يبق له اعتبار في نظر الناظر (2).
(2)
والسبب في ذلك أن الأحكام الفقهية تبنى على الظاهر، والوصول إلى اليقين يتعذر في كثير من الأحيان، فيجوز الشرع اعتبار الظن الغالب لندرة خطئه وغلبة إصابته (3).
(1) الباحسين يعقوب: قاعدة: «اليقين لا يزول بالشك دراسة نظرية تأصيلية، ط 1، مكتبة الرشد الرياض، 1421 هـ / 2000 م، ص 46.
(2) ابن بركة: التعارف، ص 7 - 26 - 37. - الزرقا أحمد شرح القواعد الفقهية، ص 35. (3) ابن بركة المصدر نفسه، ص 9 - 10 وما بعدها. ـ الندوي: القواعد الفقهية، ص 362.