الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٩الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
59
على مقتضى ذلك الوضع - كان من الأمر الملفوت إليه إجراء القواعد على
ما،
العموم العادي لا على العموم الكلي العام الذي لا يتخلف عنه جزئي حيث يكون الحكم فيها مبنياً على المجموع لا على الجميع، أي على الأكثر
(2)
لا على الكل). وقد أيد الشاطبي (2) هذه الحقيقة فقال: «إن الأمر الكلي إذا ثبت تخلف بعض الجزئيات عن مقتضاه لا يخرجه عن كونه كلياً، وأيضاً فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار القطعي (3). ثانياً: إن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كُلّي يعارض هذا الكلّي الثابت، وهذا شأن الكليات الاستقرائية، وإنما يتصور أن يكون تخلف بعض الجزئيات قادحاً في الكليات العقلية، فالكليات الاستقرائية صحيحة وإن تخلف عن مقتضياتها بعض الجزئيات (4).
كما يقال حيوان يحرك فكه الأسفل حين المضغ، وهذه قاعدة كلية استقرائية خرج عنها: التمساح حيث يقال: إنه يحرك فكه الأعلى حين المضغ، فخروج التمساح عن القاعدة لا يخرجها عن كونها كلية، فكأنه قيل: كل حيوان يحرك فكه الأسفل حين المضغ إلا التمساح.
فالعموم العادي المبني على الاستقراء لا يوجب عدم التخلف، بل الذي يوجب عدم التخلف إنما هو العموم العقلي؛ لأن العقليات طريقها البحث والنظر. وأما الشرعيات فطريقها الاستقراء، ولا ينقصه تخلف بعض الجزئيات.
(1) محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، ص 06. ـ البورنو: الوجيز في إيضاح قواعد الفقه، ص 17. (2) الشاطبي أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي المالكي (ت: 790 هـ / 1388 م)، أصولي حافظ، من كبار أئمة المالكية. من كتبه: الموافقات في أصول الفقه؛ الاتفاق في علم الاشتقاق؛ المقاصد الشافية في شرح خلاصة الكافية؛ … إلخ.
ينظر الزركلي، الأعلام، 319/ 7
(3) الشاطبي: الموافقات، 52/ 2 بتصرف.
(4) الشاطبي: المصدر نفسه.