الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٧٣الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
73
إليها، ثم أجاز الفقهاء الدخول إليها بغير علم من أربابها، وقد أمروا بدخولها، وإنما يُعلم ذلك بدليل من القلب وسكونه لا برأي مالكه. بينما في عامة الأحوال من أراد الدخول على أهل تلك البيوت يستأذن أهلها، لأن الله قد منع من دخولها دون استئذان. ألا ترى أن هذا الرجل إذا استأذن بالدخول وسمع الصوت من البيت بأن قال له ادخل فله أن يدخل من غير أن يعلم من أذِنَ له من صبي أو بالغ أو مالك أو غير مالكه، وقد استباح بالصوت ما كان عليه قبل ذلك محرماً، والصوت لا يعمل به، ولا يحكم به وهو غير اليقين، فقد دل هذا على ما قلنا (1).
3 ـ قبول الشهادة والأخبار والحكم بصحتها وثبوتها بشهادة عدلين أو بالتواتر: ويضيف ابن بركة أدلة أخرى يستشهد بها على مستثنيات هذه القاعدة أن للعدلين أن يشهدا على صحة الخبر بقول جماعة يسيرة نحو العشرة أو أقل ما يكون فوق عدد الثلاثة إذا جاءوا مفترقين بالخبر، وتواتر الخبر بهم، ثبت بذلك في النفس، وجاز للعدلين أن يشهدا على صحة الخبر عند الحاكم، ألا ترى أن رجلين ثقتين لو جاءا إلينا وأخبرانا بخبر عن السوق أو بقدوم الحاج أو مصيبة أصابت بعض الناس، كُنا نشك في خبرهم ولا نعلم صحة قولهما ويجوز عليهما الغلط والتأويل الفاسد الذي يغلط به الناس عند الشهادة والخبر.
ولو جاءنا العوام مفترقين بذلك، لا يعترض عليهم أحد بتكذيب ما يقولون، ولا يختلف خبرهم علمنا أنّ ما نقلوه على هذا الوصف صحيح، حتى لو أراد أحدنا أن يدخل الشك على قلبه في خبرهم مع تواتره، لكان مكابد الغفلة،
وهذا يدل أيضاً على ما قلناه» (2).
(1) ابن بركة المصدر نفسه، ص 34، 35. بتصرف
(2) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 31 - 32.