الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٧٦76
القواعد الفقهية عند الإباضية
وكذلك من حمله السبع وألقى به في جزيرة البحر وانقطعت أخباره، ثم لم يعلم له نجاة إلى مدة أربع سنين حكم له بالموت واليقين خلافه. وكذلك الغائب يحكم بموته إذا مضى له مائة وعشرون سنة بعد غيبته فقد حكموا بزوال اليقين منذ فقد، وليس مرورها يوجب موته بيقين. يقول ابن بركة معللاً: «فلو كان التعبد على ما يذهب إليه مَن جَهل أحكام الشريعة، وما عليه الناس من أعمالهم من مذاهب الفقهاء، وإن علمناه يقيناً لا يزول إلا بيقين مثله، ليطلب الآثار ولم يذهب شيئاً من هذه الأخبار، إلا أن يسر هذا الدين وخفف المحنة عليهم، وكذلك قال كل في محكم كتابه يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185)).
الله
أما الحكم على المفقود والغائب بالوفاة بعد الأجل المحدود فمبني على أن الظن بحياتهما بعده ضعيف؛ لأن الغالب من أحوال أمثالهما الوفاة في مثل تلك الحال، إذ لو كانا حيَّين لجاء عنهما خبر في أغلب الأحوال.
فحمل المفقود والغائب بعد الأجلين على أغلب الأحوال استحساناً، وكان القياس عدم الحكم بموتهما حتى يصح ذلك كما أشار إليه بعض الأثر في الغائب (2).
ويرد ابن بركة على من اعترض عليه واتهمه باعتماد طريق الشكوك في إثبات بعض الأحكام فيقول: «وإن قال قائل: إنكم تزيلون الفرائض واليقين بالظن والشكوك؛ لأن مبلغ كلامكم يدل على ذلك، قيل له: أسأت الظن بنا لجهلك بما له قصدنا، ذلك أن الظن والشك الواسطة بين العلم والجهل، ونحن نقول بالعلم واليقين وهما ما بنينا عليه أصلنا، وهي القاعدة التي عليها الفقهاء وذلك أن العلم على ضربين:
(1) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 36. (2) السالمي: طلعة الشمس في الأصول 179/ 2 - الراشدي جواهر القواعد، ص 78 - 79.