الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١١١الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
111
الفرائض براءة الذمة منها لا فرض إلا بثبوت الشرع عليه، فمن ادعى شغلها فعليه الدليل، ومن نفاه بعد ثبوته فعليه الدليل) (). وإلى هذا المعنى ذهب الوارجلاني). والحق أن المقصود من ذلك محل الذمة، وهو النفس. يقال: ثبت في ذمتي كذا، أي على نفسي (3). فمعنى القاعدة هو القاعدة المستمرة أن الإنسان بريء من وجوب شيء أو لزومه، وكونه مشغول الذمة خلاف الأصل؛ لأن المرء ء يولد خالياً من كل دين أو التزام أو مسؤولية، وكل شغل لذمته بشيء من الحقوق إنما يطرأ بأسباب عارضة بعد الولادة والأصول في الأمور العارضة العدم، فالأصل المذكور أن الأمر المتيقن هو أن الإنسان خلق خالياً من المسؤوليات والالتزامات أو حقوق الآخرين فلا تشغل ذمته بأي حق أو التزام إلا بيقين أي دليل وبينة كما صرح بذلك الجناوني والوارجلاني. لذا يقبل شاهد واحد في جانب المدعي لضعفه، فلا يقاوم جانب المدعى عليه، لقوته بالأصل حتى يعتضد بشاهد آخر، أو يمين المدعي، فلما وسمه بتهمة الادعاء احتيط من جانبه باليمين (4).
ولأن الأصل براءة ذمة الإنسان، فالمتمسك بالبراءة متمسك بالأصل، والمدعي متمسك بخلاف الأصل، ولذلك كان القول للمدعى عليه مع يمينه ـ عند عدم البينة - لأنه متمسك بالأصل (). ومجال هذا الأصل
(1) الجناوني أبو زكرياء يحيى بن الخير (قه كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه، تحقيق أبو إسحاق إبراهيم أطفيش، ط 1، مطبعة الفجالة، مصر، د. ت.، ص 07.
(2) الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم: كتاب العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه 18/ 1. (3) التهانوي محمد بن علي بن محمد الفروقي (كان حيا 1158 هـ)، كشاف اصطلاحات الفنون، نشر دار صادر، بيروت - البورنو: الوجيز، ص 179.
(4) الراشدي سفيان جواهر القواعد، ص 81. (5) السدلان صالح بن غانم: القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، ص 121 - 122 - البورنو: الوجيز، 179، كل منهما نقل عن الأتاسي: شرح المجلة العدلية، ـ 1/ 25 - 27.